نتيجة امتحانات 2011 Headline Animator

sharing

الأربعاء، 22 أغسطس، 2012

تفسير سور القرآن الكريم مبسط و أسباب النزول - الجزء الثانى


سورة الفاتحة

من أوائل سور القرآن الكريم 

سبب التسمية :


تُسَمَّى ‏‏ ‏الفَاتِحَةُ ‏‏ ‏لافْتِتَاحِ ‏الكِتَابِ ‏العَزِيزِ ‏بهَا ‏وَتُسَمَّى ‏‏ ‏أُمُّ ‏الكِتَابِ
‏لأنهَا ‏جَمَعَتْ ‏مَقَاصِدَهُ ‏الأَسَاسِيَّةَ ‏وَتُسَمَّى ‏أَيْضَاً ‏السَّبْعُ ‏المَثَانِي ‏‏،
‏وَالشَّافِيَةُ ‏‏، ‏وَالوَافِيَةُ ‏‏، ‏وَالكَافِيَةُ ‏‏، ‏وَالأَسَاسُ ‏‏، ‏وَالحَمْدُ‎ .‎‏
التعريف بالسورة : 
1) سورة مكية 
2) من سور المثاني 
3) عدد آياتها سبعة مع البسملة
4) هي السورة الأولى في ترتيب المصحف الشريف 
5) نـَزَلـَتْ بـَعـْدَ سـُورَةِ المـُدَّثـِّرِ 
6) تبدأ السورة بأحد أساليب الثناء " الحمد لله" لم يذكر لفظ الجلالة إلا مرة واحدة وفي الآية الأولى 
7) الجزء ( 1 ) ، الحزب ( 1 ) الربع ( 1 )
محور مواضيع السورة : 
يَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ ، وَالعَقِيدَةِ ، 
وَالعِبَادَةِ ، وَالتَّشْرِيعِ ، وَالاعْتِقَادِ باليَوْمِ الآخِرِ ، وَالإِيمَانِ بِصِفَاتِ
الَّلهِ الحُسْنَى ، وَإِفْرَادِهِ بالعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ وَالدُّعَاءِ ، وَالتَّوَجُّهِ
إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلاَ بطَلَبِ الهداية إلى الدِّينِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ ، 
وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ بالتَّثْبِيتِ عَلَى الإِيمَانِ وَنَهْجِ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ ، وَتَجَنُّبِ
طَرِيقِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ ، وَالإِخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الأُمَمِ السَّابِقِينَ ، 
وَالاطَّلاَعِ عَلَى مَعَارِجِ السُّعَدَاءِ وَمَنَازِلِ الأَشْقِيَاءِ ، وَالتَّعَبُّدِ بأَمْرِ الَّلهِ سُبْحَانَهُ وَنَهْيِهِ.

سبب نزول السورة :

عن أبي ميسرة أن رسول كان إذا برز سمع مناديا يناديه : يا محمد فإذا سمع الصوت انطلق هاربا فقال له ورقة بن نوفل : إذا سمعت النداء فأثبت حتى تسمع ما يقول لك قال : فلما برز سمع النداء يا محمد فقال : لبيك قال :
قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ثم قال قل : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين حتى فرغ من فاتحة الكتاب وهذا قول علي بن أبي طالب .

فضل السورة : 

رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ أَنَّ أُبـَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَرَأَ عَلَي الرسول أُمَّ القُرآنِ 
الكَرِيمِ فَقَالَ رَسُولُ الَّلهِ : " وَالَّذِي نـَفْسِي بـِيَدِهِ مَا أُنـْزِلَ في التـَّوْرَاةِ وَلاَ في الإِنـْجِيلِ وَلاَ في الزَّبـُورِ وَلاَ في الفُرقـَانِ مِثْلُهَا ، هِيَ السَّبـْعُ المَثَانـِي وَالقـُرآنَ العَظِيمَ الَّذِي أُوتـِيتـُه " فَهَذَا الحَدِيثُ يُشِيرُ إِلى قَوْلِ الَّلهِ تَعَالى في سُورَةِ الحِجْرِ

( وَلَقَدْ آتـَيـْنَاكَ سَبْعَاً مِنَ المَثَانـِي وَالقُرآنَ العَظِيمَ )

وعسى الله ان يكتب لي ولكم الأجر 
والمثوبه بهذا العمل 
منقول









سورة آل عمران


قال المفسّرون: قدم وفد نجران، وكانوا ستين راكبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم، "فالعاقب" أمير القوم وصاحب مَشُورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه: عبد المسيح .
و"السيد" إمامهم وصاحب رحلهم واسمه: الأيهم، 

"وأبو حارثة بن علقمة" أسقفهم وحبرهم، وإمامهم وصاحب مدراسهم، وكان قد شرف فيه ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، وكانت ملوك الروم قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس لعلمه واجتهاده، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلوا مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جُبّات وأردية في جَمال رجال بين الحارث بن كعب، يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأينا وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، 
فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوهم" فصلوا إلى المشرق، فكلم السيد والعاقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسلما"، فقالا قد أسلمنا قبلك، قال: "كذبتما منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنـزير"، قالا إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه؟ وخاصموه جميعا في عيسى، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: "ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟" قالوا: بلى، قال: "ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى أتى عليه الفناء؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟" قالوا: بلى، قال: "فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟" قالوا: لا قال: "فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث" قالوا: بلى، قال: "ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذّى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟" قالوا: بلى، قال: "فكيف يكون هذا كما زعمتم؟" فسكتوا، فأنـزل الله عز وجل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضعة وثمانية آية منها. 

قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم الله المشركين يوم بدر: هذا والله النبيّ الأميّ الذي بشَّرنا به موسى، ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنه لا ترد له راية، فأرادوا تصديقه واتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة له أخرى فلما كان يوم أُحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا، وقالوا: لا والله ما هو به، وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة، فنقضوا ذلك العهد، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبًا إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم، وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة، فأنـزل الله تعالى فيهم هذه الآية.
 وقال محمد بن إسحاق بن يسار: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر، فقدم المدينة جمع اليهود وقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نـزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينـزل بكم ما نـزل بهم، فقد عرفتم أني نبيّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم، فقالوا: يا محمد، لا يغرَّنّك أنك لقيت قومًا أغمارًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت فيهم فرصة، أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس، فأنـزل الله تعالى

 قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا  يعني اليهود  سَتُغْلَبُونَ  تهزمون
 وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ  في الآخرة، هذه رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس. 








قوله تعالى:

 شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ  

 18 .

قال الكلبي: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: "نعم"، قالا وأنت أحمد؟ قال: "نعم"، قالا إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلاني"، فقالا أخبرنـا عن أعظم شهادة في كتاب الله فأنـزل الله تعالى على نبيه

 شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ  

فأسلم الرجلان وصدّقا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: 

 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ  

الآية  23 

اختلفوا في سبب نـزولها، فقال السدي: دعا النبي صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام فقال له النعمان بن أوفى: هلم يا محمد نخاصمك إلى الأحبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل إلى كتاب الله"، فقال: بل إلى الأحبار، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: دخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أيّ دين أنت يا محمد؟ فقال: "على ملة إبراهيم"، قالا إن إبراهيم كان يهوديًّا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهلموا إلى التوراة فهي بينا وبينكم فأبيا عليه"، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: نـزلت في قصة اللذين زنيا من خيبر، وسؤال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم عن حد الزانيين، وسيأتي بيان ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. 









قوله تعالى: 
 قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ  

الآية  26 .

قال ابن عباس وأنس بن مالك: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فـارس والروم، قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعزّ وأمنع من ذلك، ألم يكفِ محمدًا مكـة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟! فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 أخبرني محمد بن عبد العزيز المروزي في كتابه، أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة حدثنا سعيد عن قتادة قـال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فـارس والروم في أمتـه، فأنـزل الله تعالى:
 قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ  الآية.
 حدثنا الأستاذ أبو إسحاق الثعالبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا محمد بن جعفر المطيري قال: قال حماد بن الحسن: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، حدثني أبي عن أبيه قال: خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخندق يوم الأحزاب، ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعًا، قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحُذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا، فحفرنا حتى إذا كنا تحت ذي ناب، أخرج الله من بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، وإما أن يأمرنا فيها بأمره، فإنا لا نحب أن نجاوز خطه. 
قال: فرقي سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقّت علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمر، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، قال: فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان الخندق والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، يعني المدينة، حتى كأن مصباحًا في جوف بيت مظلم. 
وكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبَّر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابيتها حتى كأن مصباحًا في جوف بيت مظلم، وكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبَّر المسلمون، ثم ضـربها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبـرق منها بـرق أضاء ما بين لابيتهـا، حتى كأن مصباحًا في جوف بيت مظلم، وكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبَّر المسلمون، وأخذ يد سلمان ورقي، فقـال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد رأيت شيئًا ما رأيت مثله قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال: "رأيتم ما يقول سلمان؟"، قالوا: نعم يـا رسول الله، قـال: "ضربتُ ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب. 
وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب. وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا"، فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحفر، فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنِّيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفَرَق، ولا تستطيعون أن تبرزوا؟ قال: فنـزل القرآن:
 وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا 
[الأحزاب: 12]. وأنـزل الله تعالى في هذه القصة قوله:
 قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ  الآية .





قوله تعالى: 
 لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  
 28 .

قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو وكهمس بن أبي الحقيق وقيس بن زيد - وهؤلاء كانوا من اليهود يباطنون نفرًا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم - فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: نـزلت في المنافقين: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.
 وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: نـزلت في عبادة بن الصامت الأنصاريّ وكان بدريًّا نقيبًا، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب. قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فـأستظهر بهم على العدو، فأنـزل الله تعالى:
 لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ  الآية.
 قوله تعالى:
 قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ  الآية  31 .

قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف والقرطة، وهم يسجدون لها، فقال: "يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام"، فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى، فأنـزل الله تعالى:
 قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ  وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه
 فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ  "فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.
 وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، أنـزل الله تعالى هذه الآية؛ فلما نـزلت عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود، فأبوا أن يقبلوها.
وروى محمد بن إسحاق بن يسار عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: نـزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده حبًّا لله وتعظيمًا له، فأنـزل الله تعالى هذه الآية ردًّا عليهم. 









قوله تعالى:

 إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ  

الآية  59 

قال المفسرون: إن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك تشتم صاحبنا؟ قال: "وما أقول؟" قالوا: تقول: إنه عبد، قال: "أجل إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول"، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانًا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقًا فأرنا مثله، فأنـزل الله عز وجل هذه الآية.
 أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الحارثي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر، أخبرنا أبو يحيى الرازي، أخبرنا سهل بن عثمان، أخبرنا يحيى ووكيع، عن مبارك، عن الحسن قال: جاء راهبا نجران إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام، فقال أحدهما: إنا قد أسلمنا قبلك، فقال: "كذبتما إنه يمنعكما من الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنـزير، وقولكم لله ولد"؛ قالا من أبو عيسى؟ وكان لا يعجل حتى يأمره ربه، فأنـزل الله تعالى:  إِنَّ مَثَلَ عِيسَى الآية.
 قوله تعالى:

فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ  

الآية  61 

أخبرنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الزمجاري، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالـك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قال: حدثنا حسين قـال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن قـال: جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: "أسلما تسلما"، فقالا قد أسلمنا قبلك، فقال: "كذبتما، يمنعكما من الإسلام ثلاث: سجودكما للصليب، وقولكما اتخذ الله ولدًا وشربكما الخمر"، فقالا ما تقول في عيسى؟ قال: فسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم ونـزل القرآن:
 ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ  

إلى قوله:  فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ  

الآية، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنة، وجاء بالحسن والحسين وفاطمة وأهله وولده عليهم السلام، قال: فلما خرجا من عنده قال أحدهما لصاحبه: أقرر بالجزية ولا تلاعنه، فأقرّ بالجزية، قال: فرجعا فقالا نقرّ بالجزية ولا نلاعنك فأقرا بالجزية.
 أخبرني عبد الرحمن بن الحسن الحافظ فيما أذن لي في روايته حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن حاتم العسكري، حدثنا بشر بن مهران، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال: قدم وفد أهل نجران على النبيّ صلى الله عليه وسلم العاقب والسيد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا أسلمنا قبلك، قال: "كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإسلام؟" فقالا هات أنبئنا، قال: "حبّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنـزير"، فدعاهما إلى الملاعنة، فوعداه على أن يغادياه بالغداة فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيد عليّ وفاطمة وبيد الحسن والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا، فأقرا له بالخَراج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي بعثني بالحق لو فعلا لمُطر الوادي نارًا".
قال جابر: فنـزلت فيهم هذه الآية:
 فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ  
قال الشعبي: أبناءنا: الحسن والحسين، ونساءنا: فاطمة، وأنفسنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم . 








قوله تعالى:

 إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ 
الآية  68 

قال ابن عباس: قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنه كان يهوديًّا، وما بك إلا الحسد، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وروى أيضًا عبد الرحمن بن غنم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكره محمد بن إسحاق بن يسار، وقد دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة، واستقرّت بهم الدار، وهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان من أمر بدر ما كان، اجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا: إن لنا في أصحاب محمد الذين عند النجاشي ثأرًا بمن قتل منكم ببدر، فاجمعوا مالا وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي أرائكم، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط مع الهدايا: الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة؛ فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون، ولصلاحك محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء القوم الذين قدموا عليك، لأنهم قوم رجل كذّاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله، ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء، وكنا قد ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل عليه أحد ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش، فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك، فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم، قالوا: وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيوك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك. قال: فدعاهم النجاشي، فلما حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله، فقال النجاشي: نعم، فليدخلوا بأمان الله وذمته، فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه، فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي، فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟ فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحييني بها من أتاني من الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبيًّا صادقًا وأمرنا بالتحية التي يرتضيها الله لنا، وهي السلام تحية أهل الجنة؛ فعرف النجاشي أن ذلك حقّ وأنه في التوراة والإنجيل، قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا، قال: فتكلّم. قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أحبّ أن أجيب عن أصحابي، فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما وليسكت الآخر فتسمع محاورتنا، فقال عمرو لجعفر: تكلم، فقال جعفر للنجاشي: سل هذا الرجل أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدًا أبَقْنَا من أربابنا فـاردُدْنا إليهم، فقال النجاشي: أعبيدهم أم أحرار؟ فقال: بل أحرار كرام؟ فقال النجاشي: نجوا من العبودية. قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دمًا بغير حق فيقتصّ منا؟ فقال عمرو: لا ولا قطرة، قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟ قال النجاشي: يا عمرو إن كان قنطارًا فعليّ قضاؤه، فقال عمرو: لا ولا قيراط، قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنا وهم على دين واحد على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره ولزمنا نحن، فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا، فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعتموه؟ أصدقني، قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره، كنا نكفر بالله عز وجل، ونعبد الحجارة؛ وأما الدين الذي تحولنا إليه، فدين الله الإسلام، جاءنا به الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقًا له، فقال النجاشي: يا جعفر لقد تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك، ثم أمر النجاشي فضرب بالناقوس، فاجتمع إليه كل قسيس وراهب؛ فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي أنـزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين القيامة نبيًّا مرسلا فقالوا: اللهم نعم، قد بشّرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي، ومن كفر به فقد كفر بي؛ فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل ويأمركم به وما ينهاكم عنه؟ قال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له، فقال: اقرأ علينا شيئًا مما كان يقرأعليكم، فقرأ عليهم سورة "العنكبوت" "والروم"، ففاضت عينا النجاشي وأصحابه من الدمع وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطيب، فقرأ عليهم سورة "الكهف" فأراد عمرو أن يغضب النجاشي، فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه، فقال النجاشي: ما يقولون في عيسى وأمه؟ فقرأ عليهم جعفر سورة "مريم"، فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي بقية من سواك قدر ما يقذي العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون هذا، ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، يقول: آمنون، مَن سبَّكم أو أذاكم غرم؛ ثم قال: أبشروا ولا تخافوا، ولا دهورة اليوم على حزب إبراهيم؛ قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم، فأنكر ذلك المشركون وادّعوا دين إبراهيم، ثم ردّ النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما هديّتكم إليّ رشوة فاقبضوها، فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة؛ قال جعفر: وانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار. وأنـزل الله عز وجل ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة قوله تعالى:
 إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ  على ملته وسنته  وَهَذَا النَّبِيُّ  يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم  وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ 
أخبرنا أبو محمد أحمد بن الحسن الورّاق، أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد الجزري، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا أبو سعيد الأشجّ قال: حدثنا وكيع، عن سفيان بن سعيد، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكل نبي ولاة من النبيين، وأنا وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم"، ثم قرأ: 
 إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ  الآية.

قوله تعالى: 

 وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ  

الآية  69 

نـزلت في معاذ بن جبل وحذيفة وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم، وقد مضت القصة في سورة البقرة.
 قوله تعالى: 

 وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا 

الآية  72 .

قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر حبرًا من يهود خيبر وقرى عرينة، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به في آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدًا ليس بذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم، وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم، قال كعب بن الأشرف وأصحابه: آمنوا بالذي أنـزل على محمد من أمر الكعبة، وصلوا إليها أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار، وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة، لعلهم يقولون هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا، فربما يرجعون إلى قبلتنا فحذّر الله تعالى نبيه مكر هؤلاء، وأطلعه على سرهم، وأنـزل: 
 وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ  الآية. 








قوله تعالى: 

 إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا  
الآية  77 
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، أخبرنا حاجب بن أحمد أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان"، فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله نـزلت كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: "لك بينة؟" قلت: لا فقال لليهودي: "أتحلف"، قلت يا رسول الله: إذن يحلف فيذهب بمالي، فأنـزل الله عز وجل:  إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا  الآية، رواه البخاري عن عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش.
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المهرجاني: أخبرنا عبد الله بن محمد بن محمد الزاهد، أخبرنا أبو القاسم البغوي قال: حدثني محمد بن سليمان قال: حدثني صالح بن عمر، عن الأعمش، عن شقيق قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان"، فأنـزل الله تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا  إلى آخر الآية، فأتى الأشعث بن قيس فقال: ما يحدِّثكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: كذا وكذا، قال: لفيَّ نـزلت؛ خاصمت رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ألك بينة؟" قلت: لا قال: "فيحلف؟" قلت: إذن يحلف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان"، فأنـزل الله: 
 إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا  الآية، رواه البخاري عن حجاج بن منهال، عن أبي عوانة. ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، وعن ابن نمير، عن أبي معاوية. كلهم عن الأعمش.
أخبرنا أبو عبد الرحمن الشاذْياخي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الفقيه، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان عن منصور والأعمش، عن أبي وائل قال: قال عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلف رجل على يمين صبر ليقطع بها مالا فاجرًا إلا لقي الله وهو عليه غضبان"، قال: فأنـزل الله تعالى:
 إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا  قال: فجاء الأشعث وعبد الله يحدثهم، قال: فيّ نـزلت، وفي رجل خاصمته في بئر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألك بينة؟" قلت: لا قال: "فليحلف لك"، قلت: إذن يحلف، قال: فنـزلت: 
 إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا  الآية.
 أخبرنا عمرو بن أبي عمرو المزكي، أخبرنا محمد بن المكي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا علي بن عبد الله سمع هشيمًا يقول: أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة في السوق، فحلف: لقد أُعطي بها ما لم يُعْطَ؛ ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنـزلت:  إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا  إلى آخر الآية.
وقال الكلبي: إن ناسًا من علماء اليهود أُولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟ قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا فقالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله، قال كعب: لقد حرمكم الله خيرًا كثيرًا، لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أبرّكم وأكسوا عيالكم، فحرمكم الله وحرم عيالكم، قالوا: فإنه شُبِّه لنا، فرويدًا حتى نلقاه، فانطلقوه فكتبوا صفة سوى صفته، ثم انتهوا إلى نبي الله فكلموه وسألوه، ثم رجعوا إلى كعب وقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله، فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفا للذي عندنا، وأخرجوا الذي كتبوا فنظر إليه كعب، ففرح ومارهم وأنقق عليهم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عكرمة: نـزلت في أبي رافع كنانة بن أبي الحقيق وحييّ بن أخطب وغيرهم من رؤوساء اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم. 








قوله تعالى: 

 مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ  

الآية  79 
قال الضحاك ومقاتل: نـزلت في نصارى نجران عبدوا عيسى، وقوله:  لِبَشَرٍ  يعني عيسى، أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ  يعني الإنجيل.
وقال ابن عباس في رواية الكلبي وعطاء: إن أبا رافع اليهودي والرئيس من نصارى نجران قالا يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك ربًّا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "معاذ بالله أن يُعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني"، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 وقال الحسن: بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: "لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكزموا نبيكم واعرفوا الحقّ لأهله"، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى: 

 أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ  

 83 .

قال ابن عباس: اختصم أهل الكتابين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم، كل فرقة زعمت أنها أولى بدينه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم" فغضبوا، وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنـزل الله تعالى:  أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ 
 قوله تعالى: 

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ  
الآية  86 

أخبرنا أبو بكر الحارثي، أخبرنا أبو محمد بن حيان، أخبرنا أبو يحيى عبد الرحمن بن محمد، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا علي بن عاصم عن خالد وداود، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلا من الأنصار ارتد فلحق بالمشركين، فأنـزل الله تعالى: 
 كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ  إلى قوله:  إِلا الَّذِينَ تَابُوا  فبعث بها قومه إليه، فلما قرئت عليه قال: والله ما كذبني قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كذب رسول الله على الله، والله عز وجل أصدق الثلاثة، فرجع تائبًا، فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه.
 أخبرنا أبو بكر، أخبرنا أبو محمد، أخبرنا أبو يحيى، حدثنا سهل، عن يحيى بن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ارتد رجل من الأنصار عن الإسلام ولحق بالشرك، فندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة، فإني قد ندمت، فنـزلت: 
 كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا  حتى بلغ  إِلا الَّذِينَ تَابُوا  فكتب بها قومه إليه، فرجع فأسلم.
 أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد،
أخبرنا أبو بكر بن زكريا أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الفقيه، حدثنا أحمد بن سيار، حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: كان الحارث بن سويد قد أسلم، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لحق بقومه وكفر فأنـزلت فيه هذه الآية:  كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ  
إلى قوله:  فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  حملهـا إليه رجل من قومـه، فقرأها عليه فقال الحارث: والله إنك ما علمت لصدوق وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلامًا حسنًا. 







قوله تعالى: 
 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ  
 90 .
قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني: نـزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد والقرآن.
 وقال أبو العالية: نـزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بنعته وصفته، ثم ازدادوا كفرًا بإقامتهم على كفرهم.
قوله تعالى: 
 كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ  
 93 .

قال أبو روق والكلبي: نـزلت حين قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إنه على ملة إبراهيم، فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كان ذلك حلالا لإبراهيم، فنحن نحلّه"، فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرّمه فإنه كان على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا، فأنـزل الله عز وجل تكذيبًا لهم: 

 كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ  الآية.
قوله تعالى: 
 إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ  
الآية  96 

قال مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 قوله تعالى:
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا 
الآية  100 .

أخبرنا أبو عمرو القنطري فيما أذن لي في روايته قال: أخبرني محمد بن الحسين الحداد قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن خالد قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا المؤمل بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن عكرمة قال: كان بين هذين الحيين من الأوس والخزرج قتال في الجاهلية، فلما جاء الإسلام اصطلحوا وألَّف الله بين قلوبهم، وجلس يهودي في مجلس فيه نفر من الأوس والخزرج، فأنشد شعرًا قاله أحد الحيين في حربهم، فكأنهم دخلهم من ذلك، فقال الحي الآخرون: وقد قال شاعرنا في يوم كذا: كذا وكذا، فقال الآخرون: وقد قال شاعرنا في يوم كذا: كذا وكذا، قال: فقالوا: تعالوا نرد الحرب جذعًا كما كانت، فنادى هؤلاء: يا آل أوس، ونادى هؤلاء يا آل خزرج ؛ فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال، فنـزلت هذه الآية، فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته أنصتوا له وجعلوا يستمعون إليه، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضًا وجثوا يبكون.
 وقال زيد بن أسلم: مرشاس بن قيس اليهودي وكان شيخًا قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم، فمرّ على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابًّا من اليهود كان معه، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكرهم بيوم بُعاث وما كان فيه، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان بعاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل فتكلم القوم عند ذلك، فتنازعوا وتفاخروا حتى تـواثب رجلان من الحيين أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا وقال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعًا وقالا قد فعلنا، السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة وهي حرة، فخرجوا إليها فانضمت الأوس والخزرخ بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال: "يا معشر المسلمين، بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم، فترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا؟ الله الله". فعرف القوم أنها نـزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وكبوا، وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، فأنـزل الله عز وجل: 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا  يعني الأوس والخزرج 
 إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  يعني شاسا وأصحابه  يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  قال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إلينا بيده، فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا، فما كان شخص أحبّ إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت قط يومًا أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرًا من ذلك اليوم. 







قوله تعالى: 
 وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ  
الآية  101 
أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري قال: حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا العباس الدوري، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا قيس بن الربيع عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر، عن ابن عباس قال: كـان بين الأوس والخزرج شرّ في الجاهلية، فذكروا ما بينهم، فثار بعضهم إلى بعض بالسيوف فأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فذهب إليهم، فنـزلت هذه الآية: 
 وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  إلى قوله:  وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا 
أخبرنا الشريف إسماعيل بن الحسن بن محمد بن الحسين النقيب قال: أخبرنا جدي محمد بن الحسين قـال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ قال: حدثنا حاتم بن يونس الجرجاني قال: حدثنا إبراهيم بن أبي الليث قال: حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر، عن ابن عباس قال: كان الأوس والخزرج يتحدثون، فغضبوا، حتى كاد يكون بينهم حرب، فأخذوا السلاح ومشى بعضهم إلى بعض، فنـزلت: 
 وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ  إلى قوله تعالى:  فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا 

قوله تعالى:
 كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ 
الآية  110 

قال عكرمة ومقاتل: نـزلت في ابن مسعود وأُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن مالك بن الضيف، ووهب بن يهوذا اليهوديين قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعونا إليه، ونحن خير وأفضل منكم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.


قوله تعالى: 
 لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى 
الأية  111  .
قال مقاتل: إن رؤوس اليهود كعب وبحري والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنهم عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية. 
 قوله تعالى: 

 لَيْسُوا سَوَاءً  
الآية  113 

قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود، قالت أحبار اليهود: ما آمن لمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من أخيارنا لما تركوا دين آبائهم، وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره، فأنـزل الله تعالى: 
 لَيْسُوا سَوَاءً  الآية. وقال ابن مسعود: نـزلت الآية في صلاة العتمة يصليها المسلمون، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصليها.
 أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن الغازي قال. أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري قال: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا هاشم بن القاسم قال: حدثنا شيبان عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أخَّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء، تم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: "إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم"، قال: فأنـزلت هذه الآيات: 
 لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ  إلى قوله:
 وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ 
 أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن نوح قال: أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه قال: أخبرنا محمد بن المسيب قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن ابن زحر، عن سليمان، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، وكان عند بعض أهله أو نسائه فلم يأتنـا لصلاة العشاء حتى ذهب ثلث الليل، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشرنا فقال: "إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب"، وأنـزلت: 
لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ 







قوله تعالى: 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ  
الآية  118 

قال ابن عباس ومجاهد: نـزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواصلون رجالا من اليهود لما كـان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فأنـزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم.
قوله تعالى:
 وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ 
الآية  121 

نـزلت هذه الآية في غزوة أُحد، أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد قال: أخبرنا أبو علي الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم البغوي قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قـال: حدثنا عبد الله بن جعفر المخزمي، عن ابن عون عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أي خالي أخبرني عن قصتكم يوم أُحد، فقال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجد 
 وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ  إلى قوله تعالى: 
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا 
 قوله تعالى: 
 لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ 
الآية  128 .

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد التميمي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفـر قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الرازي قال: حدثنا سهل بن عثمان العسكري قـال: حدثنا عُبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد ودمي وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه ويقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟" قال: فأنـزل الله تعالى: 
 لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ 
 أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الغازي قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا إسحـاق بن أبي إسرائيل قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد قال: حدثنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح فلانًا وفلانًا ناسًا من المنافقين، فأنـزل الله عز وجل:  لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ  رواه البخاري، عن حيان، عن ابن المبارك، عن معمر، ورواه مسلم من طريق ثابت، عن أنس. 
 أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرنا مسلم بن الحجاج قال: حدثنا القعنبي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كُسِرت رباعيته يوم أُحد وشجّ في رأسه وجعل يسيل الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى ربهم"، فأنـزل الله عز وجل: 
 لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ 
 أخبرنا أبو إسحاق الثعالبي، أخبر عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا أبو حامد ابن الشرقي قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثناعبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركوع: "ربنا لك الحمد، اللهم العن فلانًا وفلانًا"، دعا على ناس من المنافقين، فأنـزل الله عز وجل:  لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ  رواه البخاري من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، وسياقه أحسن من هذا.
أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا بحر بن نصر قال: قرئ على ابن وهب، أخبرك يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة ويكبِّر ويرفع رأسه ويقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" ثم يقول وهو قائم: "اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله"، ثم بلغنا أنه ترك لما نـزلت:
 لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ  رواه البخاري، عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري. 







قوله تعالى: 
 وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً  
الآية  135 

قال ابن عباس في رواية عطاء: نـزلت الآية في نبهان التمار، أتتـه امرأة حسناء تبتاع منه تمرًا فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فنـزلت هذه الآية. وقال في رواية الكلبي: إن رجلين أنصاريًّا وثقفيًّا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، فكانا لا يفترقان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته، وكان يتعاهد أهل الثقفي، فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه، فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها، فذهب ليقبلها فوضعت كفها على وجهها، فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحيا، فأدبر راجعًا فقالت: سبحان الله! خنت أمانتك، وعصيت ربك، ولم تصب حاجتك، قال: فندم على صنيعه، فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي، فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دلّ عليه، فوافقه ساجدًا وهو يقول: رب ذنبي ذنبي! قـد خنت أخي، فقال لـه: يا فلان ثم فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجًا وتوبًا، فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر نـزل جبريل عليه السلام بتوبته، فتلا عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً  إلى قوله:
 وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ  فقال عمر: يا رسول الله أخاصٌّ هذا لهذا الرجل أم للناس عامة؟ قال: "بل للناس عامة".
أخبرني أبو عمرو محمد بن عبد العزيز المروزي إجازة قال: أخبرنا محمد بن الحسين الحدادي قال: أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا روح قال: حدثنا محمد، عن أبيه، عن عطاء: أن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أبَنُو إسرائيل أكرم على الله منا؟ كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: اجدع أذنك، اجدع أنفك، افعل كذا، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فنـزلت:  وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً  فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير من ذلك؟" فقرأ هذه الآيات.
 قوله تعالى: 
 وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا  
الآية  139 

قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد، فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر"، فأنـزل الله تعالى هذه الآيات، وثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، فذلك قوله:  وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ 
قوله تعالى: 
 إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ 
الآية  140 

قال راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله كئيبًا حزينًا يوم أحد، جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها مقتولين وهي تلتدم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهكذا يفعل برسولك؟" فأنـزل الله تعالى:  إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  الآية .
 قوله تعالى: 
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ  
الآيات  144 .

قال عطية العوفي: لما كان يوم أُحد انهزم الناس، فقال بعض الناس: قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم، فإنما هم إخوانكم، وقال بعضهم: إن كان محمد أصيب ألا ما تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به، فأنـزل الله تعالى في ذلك:  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ  إلى  وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا  لقتل نبيهم إلى قوله:
 فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا 








قوله تعالى: 
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ 
الآية  151 

قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أُحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق ثم إنهم ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما عزموا، وأنـزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى: 
 وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ  
الآية  152 

قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنـزل الله تعالى:  وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ  الآية إلى قوله:  مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا  يعني الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أُحُد.
 قوله تعالى: 
 وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ 
الآية  161 

أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المطوعي قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري قال: أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا أبو عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدثنا ابن المبارك قال: حدثنا شريك عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال: فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين، فقال أناس: لعلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنـزل الله تعالى:
 وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ  قال حصيف: فقلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغلّ، فقال: بل يغل ويقتل.
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم النجار قال: حدثنا أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد النرسي حدثنا أبو عمر حفص بن عمر الدوري عن أبي محمد اليزيدي قال عن أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد عن ابن عباس: أنه كان ينكر على من يقرأ: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ) ويقول: كيف لا يكون له أن يُغَلَّ وقد كان يُقتل؟ قال الله تعالى: 
 وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ   ولكن المنافقين استهموا النبيّ صلى الله عليه وسلم في شيء من الغنيمة، فأنـزل الله عز وجل:  وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ 
 أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الأصفهاني قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأصفهاني قال: حدثنا أبو يحيى الرازي قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا وكيع عن سلمة عن الضحاك قـال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم غنيمة وقسمها بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئا، فلما قدمت الطلائع قالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا، فنـزلت:  وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ  قال سلمة: قرأها الضحاك يغلّ.
وقال ابن عباس في رواية الضحاك: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع في يده غنائم هوازن يوم حنين غلّه رجل بمخيط، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
وقال قتادة: نـزلت وقد غلّ طوائف من أصحابه.
وقال الكلبي ومقاتل: نـزلت حين ترك الرماة المركز يوم أُحد طلبًا للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عيه وسلم: "من أخذ شيئًا فهو له"، وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم لكم"، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
وروي عن ابن عباس: أن أشراف الناس استدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصصهم بشيء من الغنائم، فنـزلت هذه الآية.
 قوله تعالى:
 أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ 
الآية  165 

قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهـم الفداء، فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنـزل الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ  إلى قوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  قال: يأخذكم الفداء.






قوله تعالى: 
 وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا 
 169 .

أخبرنا محمد بن محمد بن يحيى قال: أخبرنا أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الخلالي قال: أخبرنا عبد الله بن زيدان بن يزيد البجلي قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نُرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا في الحـرب"، فقال الله عزّ وجل: "أنا أبلغهم عنكم"، فأنـزل الله تعالى:
 وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من طريق عثمان بن أبي شيبة.
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الغازي قال: أخبرنا محمد بن حمدان قال: أخبرنا حامد بن شعيب البلخي قال:حدثناعثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن إدريس فذكره. رواه الحاكم عن عليّ بن عيسى الحيري، عن مسدد، عن عثمان بن أبي شيبة. 
 أخبرنا أبو بكر الحارثي، حدثنا أبو الشيخ الحافظ قال: أخبرنا أحمد بن الحسين الحذاء، أخبرنا عليّ بن المديني قال: حدثنا موسى بن إبراهيم بن بشير الفاكه الأنصاري، أنه سمع طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما لي أراك مهتمًا؟" قلت: يا رسول الله قُتل أبي وترك دينًا وعيالا فقال: "ألا أخبرك؟ ما كلّم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحًا، فقال: يا عبدي سلني أعطك، قال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانية، فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا ربّ فأبلغ مَن ورائي"، فأنـزل الله تعالى:
 وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ  الآية. 
 أخبرني أبو عمرو القنطري فيما كتب إليّ قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير:
 وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ  قال: لما أصيب حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير يوم أُحد، ورأوا ما رزقوا من الخير، قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي يزدادوا في الجهاد رغبة، فقال الله تعالى: "أنا أبلغهم عنكم"، فأنـزل الله تعالى: 
 وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ  إلى قوله:  لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ 
وقال أبو الضحى: نـزلت هذه الآية في أهل أُحُد خاصة.
 وقال جماعة من أهل التفسير: نـزلت الآية في شهداء بئر معونة، وقصتهم مشهورة ذكرها محمد بن إسحاق بن يسار في المغازي. وقال آخرون: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنـزل الله تعالى هذه الآية تنفيسًا عنهم وإخبارًا عن حال قتلاهم. 




قوله تعالى: 
 الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ 
الآية  172 
أخبرنا أحمد بن إبراهيم المقري قال: أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح قال: حدثنا أبو يونس القشيري، عن عمرو بن دينار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر الناس بعد أُحُد حين انصرف المشركون، فاستجاب له سبعون رجلا فطلبهم فلقي أبو سفيان عيرًا من خزاعة، فقال لهم: إن لقيتم محمدًا يطلبني فأخبروه أني في جمع كثير، فلقيهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسألهم عن أبي سفيان فقالوا: لقيناه في جمع كثير ونراك في قلة ولا نأمنه عليك، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يطلبه، فسبقه أبو سفيان، فدخل مكة، فأنـزل الله تعالى فيهم: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ  حتى بلغ  فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 
 أخبرنا عمرو بن أبي عمرو قال: أخبرنا محمد بن مكي قال: أخبرنا محمد بن يوسف قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل قال: أخبرنا محمد قال: أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: 
 الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ  إلى آخرها قال: قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ما أصاب وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم؟"، فانتدب منهم سبعون رجلا كان فيهم أبو بكر والزبير.
 قوله تعالى:
 الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ 
الآية  173 

أخبرنا أبو إسحاق الثعالبي قال: أخبرنا أبو صالح شعيب بن محمد قال: أخبرنا أبو حاتم التميمي قال: أخبرنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذاك يوم أُحُد بعد القتل والجراحة وبعدما انصرف المشركون أبو سفيان وأصحابه قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ألا عصابة تشدد لأمر الله فتطلب عدوها فإنه أنكى للعدوّ وأبعد للسمع"، فانطلق عصابة على ما يعلم الله من الجهد حتى إذا كانوا بذي الحليفة جعل الأعراب والناس يأتون عليهم، يقولون هذا أبو سفيان مائل بالناس، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنـزل الله تعالى فيهم:
 الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ  إلى قوله تعالى:  وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ .




قوله تعالى:
 مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ 
 179 .

قال السدِّي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن لي ومن يكفر"، فبلغ ذلك المنافقين فاستهزأوا وقالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ونحن معه ولا يعرفنا، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك؟ فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرق بها بين المؤمن والمنافق، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 قوله تعالى: 
 وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ 
الآية  180 

أجمع جمهور المفسرين على أنها نـزلت في مانعي الزكاة. وروى عطية العوفي عن ابن عباس: أن الآية نـزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وأراد بالبخل: كتمان العلم الذي آتاهم الله تعالى.
 قوله تعالى: 
 لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا 
الآية  181 .

قال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه ذات يوم بيت مدراس اليهود، فوجد ناسًا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص بن عازوراء، وكان من علمائهم، فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة، فآمن وصدق وأقرض الله قرضًا حسنًا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب، فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغنيّ فإن كان ما تقول حقًّا، فإن الله إذًا لفقير ونحن أغنياء، ولو كان غنيًّا ما استقرضنا أموالنا، فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدوّ الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، انظر إلى ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "ما الذي حملك على ما صنعت؟" فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال قولا عظيمًا، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فغضبت لله وضربت وجهه، فجحد ذلـك فنحاص، فأنـزل الله عز وجل ردًّا على فنحاص وتصديقًا لأبي بكر: 
 لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا  الآية. 
 أخبرنا عبد القاهر بن طاهر قال: أخبرنا أبو عمرو بن مطر قال: أخبرنا جعفر بن الليث الزيادي قال: حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: نـزلت في اليهود صك أبو بكر رضي الله عنه وجه رجل منهم، وهو الذي قال: إن الله فقير ونحن أغنياء، قال شبل: بلغني أنه فنحاص اليهودي وهو الذي قال:
 يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ 
قوله تعالى: 
 الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا 
الآية  183 

قال الكلبي: نـزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف ووهب بن يهوذا وزيد بن تابوة وفي فنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا وأنـزل عليك كتابًا، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنـزل الله تعالى هذه الآية. 



 قوله تعالى:
 وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا 
الآية  186 

أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه وكان من أحد الثلاثة الذين تيب عليهم: أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا وكان يهجو النبيّ صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون ومنهم المشركون ومنهم اليهود، فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستصلحهم كلهم، فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك، وفيهم أنـزل الله:  وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  الآية.
 أخبرنا عمرو بن أبي عمرو المزكي قال: أخبرنا محمد بن مكي قال: أخبرنا محمد بن يوسف قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: أخبرنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه وسار يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف، فنـزل ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًّا فلا تؤذنا به في مجالسنا؟ ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجلسنا فإنا نحبّ ذلك، واستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون، فلم يزل النبيّ صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبيّ صلى الله عليه وسلم دابته وسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له: "يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب؟" - يريد عبد الله بن أبي قال: كذا وكذا فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله أعف عنه واصفح فوالذي أنـزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي نـزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله تعالى:  وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا  الآية. 



 قوله تعالى: 
 لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا 
الآية  188 

أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو الهيثم المروزي قال: أخبرنا محمد بن يوسف قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: أخبرنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنـزلت: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا  الآية. رواه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني عن ابن أبي مريم.
 أخبرنا أبو عبد الرحمن الشاذياخي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي قال: أخبرنا محمد بن جهم قال: أخبرنا جعفر بن عوف قال: حدثنا هشام بن سعيد قال: حدثنا زيد بن أسلم أن مروان بن الحكم كان يومًا وهو أمير على المدينة عنده أبو سعيد الخدري وزيد بن ثابت ورافع بن خديج، فقال مروان: يا أبا سعيد، أرأيت قوله تعالى:  لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا  والله إنا لنفرح بما أتينا، ونحب أن نحمد بما لم نفعل، فقال أبو سعيد: ليس هذا في هذا، إنما كان رجال في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلفون عنه وعن أصحابه في المغازي، فإذا كانت فيهم النكبة وما يكرهون فرحوا بتخلفهم، فإذا كان فيهم ما يحبون حلفوا لهم وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
 أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون قال: أخبرنـا أبو حامد بن الشرقي قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لرافع بوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل عذب، لنعذبن أجمعين، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذا، إنما دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس: 
 وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ  رواه البخاري عن إبراهيم بن موسى، عن هشام ورواه مسلم عن زهير بن حرب، عن حجاج، كلاهما عن ابن جريج. وقال الضحاك: كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها إن محمدًا ليس نبيّ الله فاثبتوا على دينكم وأجمعوا كلمتكم على ذلك، فـأجمعت كلمتهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا، وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة ونحن أولياء الله، فذلك قول الله تعالى:  يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا  بما فعلوا
 وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا  يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.






 قوله تعالى: 
 إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ 
الآية  190 

أخبرنا أبو إسحاق المقري قال: أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد ابن محمد بن يحيى العنبري قال: حدثنا أحمد بن نجدة قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه، ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ فقالوا: يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى؛ فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فأنـزل الله:
 إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ 
 قوله تعالى:
 فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ 
الآية  195 

أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم النصراباذي قال: أخبرنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن سوار قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سلمة بن عمر ابن أبي سلمة، رجل من ولد أم سلمة قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنـزل الله تعالى: 
 فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى  الآية. رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، عن أبي عون محمد بن أحمد بن ماهان، عن محمد بن علي بن زيد، عن يعقوب بن حميد عن سفيان.
قوله تعالى:
 لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ 
 196 .

نـزلت في مشركي مكة، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش، وكانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنـزلت هذه الآية.
قوله تعالى: 
 وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ  
الآية  199 

قال جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: نـزلت في النجاشي، وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم"، فقالوا: ومن هو؟ فقال: "النجاشي"، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبّر أربع تكبيرات واستغفر له وقال لأصحابه: "استغفروا له"، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 أخبرنا أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر إملاء قال: أخبرني جعفر بن محمد بن سنان الواسطي قال: أخبرنا أبو هانئ محمد بن بكار الباهلي قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي"، فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلي على علج من الحبشة؟ فأنـزل الله تعالى: 
 وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ  الآية. وقال مجاهد وابن جريج وابن زيد: نـزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم.
قوله تعالى:
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا 
الآية  200 

أخبرنا سعيد بن أبي عمرو الحافظ قال: أخبرنا أبو علي الفقيه قال: حدثنا محمد بن معاذ الماليني قال: حدثنا الحسين بن الحسن بن حرب المروزي قال: حدثنا ابن المبارك قال: أخبرنا مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني داود بن صالح قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نـزلت هذه الآية:
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا  ؟ قال: قلت: لا قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، عن أبي محمد المزني، عن أحمد بن نجدة، عن سعيد بن منصور، عن ابن المبارك. 













سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم
قوله عز وجل: 
 وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ 
الآية  2 .

قال مقاتل والكلبي: نـزلت في رجل من غَطَفَان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنـزلت هذه الآية، فلما سمعها العمّ قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "مَن يُوق شحّ نفسه ورجع به هكذا فإنه يحلّ داره"، يعني جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثبت الأجر وبقي الوزر" فقالوا: يا رسول الله، قد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: "ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده".

أخبرنا أبو بكر التميمي، أخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله تعالى:  وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا  الآية. قالت: أنـزلت هذه في الرجل يكون له اليتيمة وهو وليها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها، فلا ينكحها حبًّا لمالها، ويضربها ويسيء صحبتها، فقال الله تعالى:  وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ  يقول: ما أحللت لكم ودع هذه. رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أُسامة، عن هشام.
 وقال سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء، ويتزوجون ما شاءوا، فربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما سألوا عن اليتامى، فنـزلت آية اليتامى:  وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  الآية، أنـزل الله تعالى أيضًا:  وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى  الآية. يقول: كما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، فلا تزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن، لأن النساء كاليتامى في الضعف والعجز، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي. 






قوله تعالى:
وَابْتَلُوا الْيَتَامَى  
الآية  6 

نـزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتًا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحلّ لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 قوله تعالى:
 لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ  
الآية  7 

قال المفسرون: إن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها: أم كجة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان: هما ابنا عم الميت ووصياه، يقال لهما: سويد وعرفجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته شيئًا ولا بناته، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرًا، إنما يورثون الرجال الكبار، وكانوا يقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهنّ، وقد ترك أبوهن مالا حسنًا وهو عند سويد وعرفجة لم يعطياني ولا بناته من المال شيئًا وهن في حجري، ولا يطعماني ولا يسقياني ولا يرفعان لهن رأسًا. فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا يا رسول الله ولدها لا يركب فرسًا ولا يحمل كلا ولا ينكي عدوًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن"، فانصرفوا، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا  
الآية  10 

قال مقاتل بن حيان: نـزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير، فأكله، فأنـزل الله فيه هذه الآية.
 قوله تعالى: 
 يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ 
الآية  11 

أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا الحسن بن أحمد المخلدي قال: أخبرنا المؤمل بن الحسن بن عيسى قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني ابن المنكدر، عن جابر قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجدني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ، ثم رشّ عليّ منه فأفقت فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنـزلت:  يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ  الآية. رواه البخاري عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، ورواه مسلم عن محمد بن حاتم، عن حجاج، كلاهما عن ابن جريج.
 أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري قال: أخبرنا عليّ بن عمر بن مهدي قال: حدثنا يحيى بن صاعد قال: حدثنا أحمد بن المقدام قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت سعد بن الربيع، قتل معك يوم أُحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟ فوالله ما ينكحان أبدًا إلا ولهما مال، فقال: "يقضي الله في ذلك، فنـزلت سورة النساء وفيها:  يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ  إلى آخر الآية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادع لي المرأة وصاحبها، فقال لعمهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فَلَكَ". 




 قوله تعالى: 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا 
الآية  19 

أخبرنا أبو بكر الأصفهاني. قال: حدثنا عبد الله بن محمد الأصفهاني قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا أسباط بن محمد، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس- قال أبو إسحاق الشيباني: وذكره عطاء بن الحسين السوائي، ولا أظنه إلا ذكره عن ابن عباس - في هذه الآية: 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا  قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوّجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنـزلت هذه الآية في ذلك. رواه البخاري في التفسير، عن محمد بن مقاتل. ورواه في كتاب الإكراه عن حسين بن منصور كلاهما عن أسباط.
 قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه على تلك المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوّجها بغير صداق، إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئًا، وإن شاء عضلها وضارّها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، فتوفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: حصن، وقال مقاتل: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها، فورث نكاحها ثم تركها، فلم يقربها ولم ينقق عليها يضارّها لتفتدي منه بمالها، فأتت كبيشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث ابنه نكاحي وقد أضرّ بي وطول علي، فلا هو ينقق علي، ولا يدخل بي، ولا هو يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله" قال: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلن: ما نحن إلا كهيأة كبيشة غير أنه لم ينكحنا الأبناء ونكحنا بنو العم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية. 








قوله تعالى: 
 وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ 
الآية  22 

نـزلت في حصن ابن أبي قيس تزوّج امرأة أبيه: كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وصفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه: فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منظور بن زبان تزوج امرأة أبيه: مليكة بنت خارجة.
 وقال أشعث بن سوار: توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقـالت: إني أعدك ولدًا، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 قوله تعالى:
 وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  . 


أخبرنا محمد بن عبد الرحمن البناني قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان قال: أخبرنا أبو يعلى قال: أخبرنا عمرو الناقد قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبي عليه الصلاة والسلام فنـزلت: 
 وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  فاستحللناهن.
 أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان.
أخبرنا عبد الرحيم، عن أشعث بن سوار، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد قال. لما سبا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل أوطاس قلنا: يا نبي الله كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهن؟ فنـزلت هذه الآية 
 وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ 
 أخبرنا أبو بكر محمـد بن إبراهيم الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة عن أبي صالح أبي الخيل، عن أبي علقمة الهاشمي.
عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس ولقي عدوًّا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، وكان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنـزل الله في ذلك:
 وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ 
 قوله تعالى: 
 وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ 
الأية  32 .

أخبرنا إسماعيل ابن أبي القاسم الصوفي، أخبرنا إسماعيل بن نجيد، حدثنا جعفر بن محمد بن سوار، أخبرنا قتيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث فأنـزل الله تعالى: 
 وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ 
 أخبرنا محمد بن عبد العزيز، أن محمد بن الحسين أخبرهم عن محمد بن يحيى بن يزيد، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن عكرمة: أن النساء سألن الجهاد، فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فأَنـزل الله تعالى: 
 وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ  
 وقال قتادة والسدي: لما نـزل قوله:
 لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ  قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنـزل الله تعالى: 
 وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ 







قوله تعالى: 
 وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ 
الآية  33 
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الفارسي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن حمويه الهروي قال: أخبرنا علي بن محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال: أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: قال سعيد بن المسيب: نـزلت هذه الآية: 
 وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ  في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ويورثونهم، فأنـزل الله تعالى فيهم: أن يجعل لهم نصيب في الوصيّة وردّ الله تعالى الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، وأبى أن يجعل للمدعين ميراث من ادعاهم ويتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبًا في الوصية.
قوله تعالى: 
 الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ 
الآية  34 

قال مقاتل: نـزلت هذه الآية في سعد بن الربيع وكان من النقباء، وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، وهما من الأنصار، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لتقتصّ من زوجها"، وانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ارجعوا، هذا جبريل عليه السلام أتاني"، وأنـزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير"، ورفع القصاص.
 أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد قال: أخبرنا زاهر بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن الجنيد قال: حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا هشيم قال: حدثنا يونس، عن الحسن: أن رجلا لطم امرأته، فخاصمته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء معها أهلها فقالوا: يا رسول الله إن فلانًا لطم صاحبتنا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "القصاص القصاص، ولا يقضى قضاء"، فنـزلت هذه الآية: 
 الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ  قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمرًا وأراد الله غيره". أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: حدثنا أبو يحيى الرازي قال: حدثنا سهل العسكري قال: حدثنا علي بن هاشم، عن إسماعيل، عن الحسن قال: لما نـزلت آية القصاص بين المسلمين لطم رجل امرأته، فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي لطمني فالقصاص، قال: "القصاص"، فبينا هو كذلك أنـزل الله تعالى:
 الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ  فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمرًا فأبى الله تعالى إلا غيره، خذ أيها الرجل بيد امرأتك".










 قوله تعالى:
 الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ 
الآية  37 .

قال أكثر المفسرين: نـزلت في اليهود حين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبيّنوها للناس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم، وقال الكلبي: هم اليهود بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم: وقال مجاهد: الآيات الثلاث إلى قوله:  عَلِيمًا  نـزلت في اليهود. 
 وقال ابن عباس وابن زيد: نـزلت في جماعة من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار يخالطونهم وينصحونهم ويقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر، فأَنـزل الله تعالى:  الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ 
قوله تعالى: 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى  
الآية  43 

نـزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشربون الخمر ويحضرون الصلاة وهم نشاوى، فلا يدرون كم يصلُّون ولا ما يقولون في صلاتهم.
 أخبرنا أبو بكر الأصفهاني قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الأفريقي قال: حدثنا عطاء، عن أبي عبد الرحمن قال: صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما ودعا أناسا من أصحـاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطعموا وشربوا، وحضرت صلاة المغرب فتقدم بعض القوم فصلى بهم المغرب، فقرأ:  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ  فلم يقمها، فأنـزل الله تعالى: 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ 
قوله تعالى: 
 فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا 
الآية  43 .

أخبرنا أبو عبد الله ابن أبي إسحاق قال: حدثنا أبو عمرو بن مطر قال: حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك بن أنس، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعتْ عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: أحبست رسول الله والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت: فعاتبني أبو بكر وقال: ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرّك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنـزل الله تعالى آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنتُ عليه، فوجدنا العِقد تحته. رواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك.
أخبرنا أبو محمد الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الفضل قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثنا أبي، عن أبي صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر قال: عرّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الجيش ومعه عائشة زوجته، فانقطع عقد لها من جذع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس معهم ماء فتغيظ عليها أبو بكر وقال: حبست الناس، فأنـزل الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم فلم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب وبطون أيديهم إلى الآباط. قال الزهري: وبلغنا أن أبا بكر قال لعائشة: والله إنك ما علمتُ لمباركةٌ. 






قوله تعالى: 
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ 
الآية  49 .

قال الكلبي: نـزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم وقالوا: يا محمد. هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: لا فقالوا: والذي نحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار، فهذا الذين زكوا به أنفسهم.
 قوله تعالى:
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ 
الآية  51 .

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: أخبرنا والدي قال: حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال: حدثنا عبد الجبار بن العلاء قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف الى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العاني، ونصل الأرحام، ونسقي الحجيج، وديننا القديم ودين محمد الحديث؛ قالا. بل أنتم خير منه وأهدى سبيلا فأنـزل الله تعالى:
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ  إلى قوله:
 وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا  وقال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبًا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أُحد ليحالفوا قريشًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنـزل كعب على أبي سفيان، ونـزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرًا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما فذلك قوله:
 يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ  ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت لنجهدنّ على قتال محمد، ففعلوا ذلك، فلما فرغوا، قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقًا وأقرب إلى الحق؟ أنحن أم محمد؟ فقال كعب: اعرضوا عليّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث؛ فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما هو عليه، فأنـزل الله تعالى: 
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ  يعني كعبًا وأصحابه الآية.









قوله تعالى: 
 أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ 
الآية  52 .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم المقري قال: أخبرنا سفيان بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح قال: حدثنا سعيد عن قتادة قال: نـزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب - رجلين من اليهود من بني النضير- لقيا قريشًا بالموسم، فقال لهما المشركون؟ أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السدانة والسقاية، وأهل الحرم، فقالا بل أنتم أهدى من محمد فهما يعلمان أنهما كاذبان إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه، فأنـزل الله تعالى:
 أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا  فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمدًا يزعم أنه قد نـزل فيكما كذا وكذا، فقالا صدق والله، ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.
قوله تعالى: 
 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا 
الآية  58 .

نـزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح، فقيل: إنه مع عثمان، فطلب منه فأبى، وقال: لـو علمت أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى عليّ بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ليجمع له بين السقاية والسدانة، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك عليّ، فقال له عثمان: يا عليّ أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال: لقد أنـزل الله تعالى في شأنك، وقرأ عليه هذه الآية، فقال عثمان: أشهد أن محمدًا رسول الله وأسلم، فجاء جبريل عليه السلام فقال: "ما دام هذا البيت فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان"، وهو اليوم في أيديهم.
 أخبرنا أبو حسان المزكي قال: أخبرنا هارون بن محمد الإستراباذي قال: حدثنا أبو محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو الوليد الأزرقي قال: حدثنا جدي، عن سفيان، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن مجاهد في قول الله تعالى:
 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا  قال: نـزلت في عثمان بن طلحة، قبض النبيّ صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، فدخل الكعبة يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله لا ينـزعها منكم إلا ظالم".
أخبرنا أبو نصر المهرجاني قال: حدثنا عبيد الله بن محمد الزاهد قال: حدثنا أبو القاسم المقري قال: حدثني أحمد بن زهير قال: أخبرنا مصعب قال: حدثنا شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قال: دفع النبيّ صلى الله عليه وسلم المفتاح إليّ وإلى عثمان وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم"، فبنو أبي طلحة الذين يلون سدانة الكعبة من بني عبد الدار.
 قوله تعالى:
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ 
الآية  59 .


أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد العدل قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي زكريا الحافظ قال: أخبرنا أبو حامد بن الشرقي قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا الحجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: 
 أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ  قال: نـزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديّ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية. رواه البخاري عن صدقة بن فضل، ورواه مسلم عن زهير بن حرب، كلاهما عن حجاج.
 وقال ابن عباس في رواية باذان: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية إلى حي من أحياء العرب، وكان معه عمار بن ياسر، فسار خالد حتى إذا دنا من القوم عرس لكي يصبحهم، فأتاهم النذير، فهربوا غير رجل قد كان أسلم، فأمر أهله أن يتأهبوا للمسير، ثم انطلق حتى أتى عسكر خالد ودخل على عمار فقال: يا أبا اليقظان إني منكم، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وأقمت لإسلامي، أفنافعي ذلك، أو أهرب كما هرب قومي؟ فقال: أقم فإن ذلك نافعك، وانصرف الرجل الى أهله، وأمرهم بالمقام وأصبح خالد فغار على القوم، فلم يجد غير ذلك الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فأتاه عمار فقال: خل سبيل الرجل فإنه مسلم، وقد كنت أمنته وأمرته بالمقام، فقال خالد: أنت تجير عليّ وأنا الأمير؟ فقال: نعم أنا أجير عليك وأنت الأمير، فكان في ذلك بينهما كلام، فانصرفوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبروه خبر الرجل، فأمنه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأجاز أمان عمار ونهاه أن يجيز بعد ذلك على أمير بغير إذنه، قال: واستبّ عمار وخالد بين يدي رسول الله فأَغلظ عمار لخالد، فغضب خالد وقال: يا رسول الله أتدع هذا العبد يشتمني، فوالله لولا أنت ما شتمني، وكان عمار مولى لهاشم بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا خالد كف عن عمار فإنه من يسب عمارًا يسبه الله، ومن يبغض عمارًا يبغضه الله"، فقام عمار فتبعه خالد فأخذ بثوبه، وسأله أن يرضى عنه، فرضي عنه، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، وأمر بطاعة أولي الأمر. 






 قوله تعالى: 
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ 
الآية  60 

أخبرنا سعيد بن محمد العدل قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أبو بردة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه، فتنافر إليه أناس من أسلم فأنـزل الله تعالى:  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ  إلى قوله:  وَتَوْفِيقًا 
 أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم قال: حدثنا أبو صالح شعيب بن محمد قال: حدثنا أبو حاتم التميمي قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا رويم قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنـزلت في رجل من الأنصار يُقال له: قيس، وفي رجل من اليهود في مداراة كانت بينهما في حق تدارءا فيه، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة ليحكم بينهما، وتركا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فعاب الله تعالى ذلك عليهما، وكان اليهودي يدعوه إلى نبي الله، وقد علم أنه لن يجور عليه، وجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ويدعوه إلى الكاهن، فأنـزل الله تعالى ما تسمعون، وعاب على الذي يزعم أن مسلم، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب، فقال:  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ  إلى قوله:  يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا 
 أخبرني محمد بن عبد العزيز المروزي في كتابه قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا إسحاق الحنظلي قال: أخبرنا المؤمل قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن داود، عن الشعبي قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حاكمهم لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم، فلما اختلفا اجتمعا على أن يحكما كاهنًا في جهينة، فأَنـزل الله تعالى في ذلك: 
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ  يعني المنافق  وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ  يعني اليهودي، 
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ  إلى قوله: 
 وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 
 وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نـزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف - وهو الذي سماه الله تعالى الطاغوت- فأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المنافق ذلك أتى معـه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـاختصما إليـه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمنا أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه، وزعم أنه مخاصم إليك وتعلق بي فجئت إليك معه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويدًا حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت وأخذ السيف فاشتمل عليه، ثم خرج إليهما وضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونـزلت هذه الآية، وقال جبريل عليه السلام: "إن عمر فرق بين الحق والباطل"، فسمي الفاروق.
وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقًا من تمر، وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكبر وأشرف من قُريظة وهم حلفاء الخزرج، فقتل رجل من النضير رجلا من قريظة واختصموا في ذلك، فقالت بنو النضير: إنا وأنتم كنا اصطلحنا في الجاهلية على أن نقتل منكم ولا تقتلوا منا، وعلى أن ديتكم ستون وَسْقًا- والوسق ستون صاعًا- وديتنا مائة وسق فنحن نعطيكم ذلك، فقالت: الخزرج: هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لأنكم كثرتم وقللنا فقهرتمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد، وليس لكم علينا فضل ؛ فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي؛ وقال المسلمون: لا بل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم، فقال: أعظموا اللقمة: يعني الرشوة، فقالوا: لك عشرة أوسق، قال: لا بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف إن نفّرت النضيري قتلتني قريظة، وإن نفرت القريظي قتلتني النضير، فأبوا أن يعطوه فوق عشر أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، فدعا النبيّ صلى الله عليه وسلم كاهن أسلم إلى الإسلام، فأبى فانصرف، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لابنيه: "أدركا أباكما، فإنه إن جاوز عقبة كذا لم يسلم أبدًا"، فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم، وأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم مناديًا فنادى: "ألا إن كاهن أسلم قد أسلم". 








قوله تعالى: 
 فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ 
الآية  65 .

نـزلت في الزبير بن العوّام وخصمه حاطب بن أبي بلتعة، وقيل: هو ثعلبة بن حاطب.
 أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن حمدان قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن أبيه، أنه كان يحدِّث أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرًا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة كانا يسقيان بها كلاهما، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق ثم أرسل إلى جارك"، فغضب الأنصاريّ وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: "اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر"، فاستوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة للأنصاريّ وله، فلما أحفظ الأنصاريُّ رسول الله استوفى للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية أنـزلت إلا في ذلك: 
 فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  
رواه البخاري عن عليّ بن عبد الله، عن محمد بن جعفر، عن معمر ورواه مسلم، عن قتيبة، عن الليث، كلاهما عن الزهريّ.
 أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن محمد بن الحسن الشيباني قال: حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال: حدثنا حامد بن يحيى بن هانئ البَلْخي قال: حدثنا سفيان قال: حدثني عمرو بن دينار عن أبي سلمة عن أم سلمة: أن الزبير بن العوّام خاصم رجلا فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير، فقال الرجل: إنما قضى أنه ابن عمته، فأنـزل الله تعالى:  فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ  الآية.









قوله تعالى: 
 وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ  
الآية  69 .

قال الكلبي: نـزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأَتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن، فقال له رسول الله: "يا ثوبان ما غيّر لونك؟" فقال: يا رسول الله ما بي من ضرّ ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرتُ الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين، وأني وإن دخلت الجنة كنت في منـزلة أدنى من منـزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أرك أبدًا، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 أخبرنا إسماعيل بن أبي نصر، أخبرنا إبراهيم النصراباذي قال: أخبرنا عبد الله بن عمر بن عليّ الجوهري قال: حدثنا عبد الله بن محمود السعدي قال: حدثنا موسى بن يحيى قال: حدثنا عبيدة عن منصور عن مسلم بن صبيح عن مسروق قال: قال أصحاب رسول الله: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رُفعتَ فوقنا، فـأنـزل الله تعـالى: 
 وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ 
 أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم قال: حدثنا شعيب قال: حدثنا مكي قال: أخبرنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح، عن سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله أراك في الدنيا فأما في الآخرة فإنك ترفع عنا بفضلك، فلا نراك، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 أخبرني أبو نعيم الحافظ فيما أذن لي في روايته قال: أخبرنا سليمان بن أحمد اللخمي قال: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال: حدثنا عبد الله بن عمران العابدي قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك لأحبّ إليّ من نفسي وأهلي وولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلتَ الجنة رُفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نـزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: 
 وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ  الآية.
قوله تعالى: 
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ  
الآية  77 

قال الكلبي: نـزلت هذه الآية في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقُدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص كانوا يلقون من المشركين أذًى كثيرًا ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم: "كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم"، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
 أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد العدل قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن علي قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبيّ الله كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنَّا صرنا أذلة! فقال: "إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا والقوم"، فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنـزل الله تعالى:  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ 









قوله تعالى: 
 أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ 
الآية  78 .

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم "أُحُد" قال المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فأنـزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى: 
 فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ 
الآية  88 

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال. حدثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد قـال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد بن ثابت: أن قومًا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى "أحد" فرجعوا، فاختلف فيهم المسلمون، فقالت فرقة: نقتلهم، وقالت فرقة: لا نقتلهم، فنـزلت هـذه الآية. رواه البخاري، عن بندار، عن غندر، ورواه مسلم عن عبد الله بن معاذ عن أبيه، كلاهما عن شعبة.
 أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا الأسود بن عامر قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن قوما من العـرب أتوا رسـول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فأركسوا، فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتويناها، فقالوا: ما لكـم في رسول الله أسوة حسنة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا هم مسلمون، فأنـزل الله تعالى:
 فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا  الآية.
وقال مجاهد في هذه الآية: هم قوم خرجوا من مكة حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ عليه الصلاة والسلام أن يخرجوا إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله تعالى نفاقهم وأنـزل هذه الآية، وأمر بقتلهم في قوله:
 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ   فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي وبينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم حلف، وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين، فرفع عنهم القتل بقوله تعالى: 
 إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ   الآية. 





 قوله تعالى:
 وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً 
الآية  92 .

أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق قال: أخبرنا أبو عمرو بن نجيد قال: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا ابن حجاج قال: حدثنا حماد قـال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن الحارث بن يزيد كان شديدًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء وهو يريد الإسلام، فلقيه عياش بن أبي ربيعة والحارث يريد الإسلام وعياش لا يشعر فقتله، فأنـزل الله تعالى: 
 وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً  الآية.
وشرح الكلبي هذه القصة فقال: إن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه، فخرج هاربًا إلى المدينة فقدمها، ثم أتى أطمًا من آطامها، فتحصن فيه فجزعت أمه جزعا شديدا وقالت لابنيها أبي جهل والحارث بن هاشم وهما لأمه: لا يظلني سقف بيت ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه، وخرج معهم الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينه، فأتوا عياشًا وهو في الأطم، فقالا إنـزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت لا تأكل طعامًا ولا شرابًا حتى ترجع إليها، ولك الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا تحول بينك وبين دينك، فلما ذكرا له جزع أمه وأوثقا له نـزل إليهم فأخرجوه من المدينة وأوثقوه بنسع وجلده كل واحد منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه فقالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به ثم تركوه موثقًا في الشمس، وأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحارث بن يزيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقاله وقال: والله لا ألقاك خاليًا إلا قتلتك، ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ثم إن الحارث بن يزيد أسلم وهاجر بعد ذلك إلى رسول الله بالمدينة وليس عياش يومئذ حاضرا ولم يشعر بإسلامه، فبينا هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث بن يزيد، فلما رآه حمل عليه فقتله، فقال الناس: أيّ شيء صنعت؟ إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت: وإني لم أشعر بإسلامه حين قتلته، فنـزل عليه السلام بقوله:  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً 






 قوله تعالى: 
 وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا  
الآية  93 

وقال الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: إن مقيس بن صبابة وجد أخاه هشام بن ضبابة قتيلا في بني النجار وكان مسلمًا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رسولا من بني فهر؛ فقال: "ائت بني النجار فأقرئهم السلام وقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديته"، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدي إليه ديته، فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين نحو المدينة، وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيسًا فوسوس إليه فقال: أيَّ شيء صنعت؟ تقبل دية أخيك فيكـون عليك سُبَّة؟ أقتل الذي معك فيكون نفس مكان نفس وفضل الدية، ففعل مقيس ذلك، فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه، ثم ركب بعيرًا منها وساق بقيتها راجعًا إلى مكة كافرًا، وجعل يقول في شعره: 
قتلـت بــه فهــرًا وحـمَّلتُ عقله
ســراة بنـي النجار أربـاب فـارع
وأدركـت ثـأري واضطجـعت موسدًا
وكــنت إلـى الأوثــان أول راجـع
فنـزلت هذه الآية:  وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا  الآية. ثم أهدر النبيّ صلى الله عليه وسلم دمه يوم فتح مكة، فأدركه الناس بالسوق فقتلوه. 

 قوله تعالى:
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا  
الآية 94 .

أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الواعظ قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار قال: حدثنا محمد بن عباد قال: حدثنا سفيان عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنـزلت هذه الآية: 
 وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  أي تلك الغنيمة، رواه البخاري عن علي بن عبد الله. ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن سفيان. 
 وأخبرنا إسماعيل قال: أخبرنا أبو عمرو بن نجيد قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الخليل قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مر رجل من سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا إليه فقتلوه، وأخذوا غنمه وأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنـزل الله تعالى:
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا 
 أخبرنا أبو بكر الأصفهاني قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: أخبرنا أبو يحيى الرازي قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا وكيع عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير قال: خرج المقداد بن الأسود في سرية، فمروا برجل في غنيمة له، فـأرادوا قتله، فقال: لا إلـه إلا الله، فقتله المقداد، فقيل له: أقتلته وقد قال لا إله إلا الله ودّ لو فرّ بأهله وماله؟ فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فنـزلت: 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا 
وقال الحسن: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا يطوفون، فلقوا المشركين فهزموهم، فشد منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم، إني مسلم، فكذبه ثم أوجره السنان فقتله، وأخذ متاعه وكان قليلا فرفع ذلك إلى رسول الله فقال: "قتلته بعدما زعم أنه مسلم؟". فقال: يا رسول الله إنما قالها متعوذًا، قال: "فهلا شققت عن قلبه"، قال: لم يا رسول الله؟ قال: "لتنظر أصادق هو أم كاذب؟" قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟ قال: "ويلك إنك إن لم تكن تعلم ذلك، إنما كان يبين عنه لسانه"، قال: فما لبث القاتل أن مات، فدفن فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره قال: ثم عادوا فحفروا له، وأمكنوا ودفنوه، فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أو ثلاثًا، فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب، قال: وأنـزل الله تعالى هذه الآية. قال الحسن: إن الأرض تجن من هو شرّ منه، ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا.
 أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد المزكي قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد بن بطة قال: أخبرنا أبو القاسم البغوي قال: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية إلى إضم قبل مخرجه إلى مكة قال: فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فحيانا تحية الإسلام، فنـزعنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشر كان، بينه وبينه في الجاهلية، فقتله واستلب بعيرا له ووطاء ومتيعا كان له. قال: فأنهينا شأننا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه بخبره، فأنـزل الله تعالى: 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا  إلى آخر الآية.
وقال السدي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك الضمري فقتله، وكان من أهل فدك ولم يسلم من قومه غيره، وكان يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويسلم عليهم، قال أسامة: فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال: "قتلت رجلا يقول: لا إله إلا الله؟" فقلت: يا رسول الله إنما تعوّذ من القتل، فقال: "كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلا الله؟" قال: فما زال يردّدها علي: "أقتلت رجلا يقول لا إله إلا الله؟" حتى تمنيت لو أن إسلامي كان يومئذ، فنـزلت:

 إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا  الآية. 

 ونحو هذا قال الكلبي وقتادة.
ويدل على صحته الحديث الذي أخبرناه أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي قال: أخبرنا محمد بن عيسى بن عمرويه قال: حدثنا إبراهيم بن سفيان قال: حدثنا مسلم قال: حدثني يعقوب الدورقي قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا ابن حصين قال: حدثنا أبو ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد بن حارثة يحدث قال: بعثنا النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبَّحنا القوم فهزمناهم قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصار فطعنته برمحي ففتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟" قلت: يا رسول الله إنما كان متعوِّذًا، قال: "أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟" قال: "ما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم". 






 قوله تعالى:
 لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  
الآية  95 

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد العدل قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق السراج قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم حين نـزلت عليه:  لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ولم يذكر أولي الضرر، فقال ابن أم مكتوم: كيف وأنا أعمى لا أبصر، قال زيد: فتغشى النبيّ صلى الله عليه وسلم في مجلسه الوحي، فاتكأ على فخذي، فوالذي نفسي بيده لقد ثقل علي فخذي حتى خشيت أن يرضها، ثم سُرِّي عنه فقال: اكتب: 

 لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ  فكتبتها. رواه البخاري، عن إسماعيل بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهريّ.
 أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر قال: أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال: أنبأنا أبو إسحاق سمعت البراء يقول: لما نـزلت هذه الآية:  لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ  دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا، فجاء بكتف وكتبها، فشكا ابن أم مكتوم ضرارته، فنـزلت: 

 لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ  رواه البخاري عن أبي الوليد، ورواه مسلم عن بندار، عن غندر، كلاهما عن شعبة.
 أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي قال: أخبرنا إسماعيل بن نجيد قال: أخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدثنا عليّ بن الجعد قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ادع لي زيدًا وقل له يجيء بالكتف والدواة أو اللوح"، وقال: "اكتب لي
 لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  أحسبه قال:
 وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  " فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله بعيني ضرر، قال: فنـزلت قبل أن يبرح:

 غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ  رواه البخاري عن محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق. 
قوله تعالى:

 إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ  
الآية  97 

نـزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا وأظهروا الإيمان وأسروا النفاق، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين فقتلوا، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه. 
 أخبرنا أبو بكر الحارثي قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: أخبرنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار عن عكرمة، عن ابن عباس:

 إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ  وتلاها إلى آخرها قال: كانوا قومًا من المسلمين بمكة، فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم، فنـزلت هذه الآية. 



قوله تعالى:

 وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ 
الآية  100 .

قال ابن عباس في رواية عطاء: كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينـزل فيهم من القرآن، فكتب الآية التي نـزلت:  إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ  فلما قرأها المسلمون قال حبيب بن ضمرة الليثي لبنيه وكان شيخًا كبيرًا: احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لا أهتدي إلى الطريق. فحمله بنوه على سرير متوجهًا إلى المدينة، فلما بلغ "التنعيم" أشرف على الموت، فصفق يمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعتك يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات حميدًا، فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجرًا، فأنـزل الله تعالى فيه هذه الآية. 
 أخبرنا أبو حسان المزني قال: أخبرنا هارون بن محمد بن هارون قال: أخبرنا إسحاق بن محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو الوليد الأزرقي قال: حدثنا جدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: كان بمكة ناس قد دخلهم الإسلام ولم يستطيعوا الهجرة، فلما كان يوم بدر وخرج بهم كرهًا فقتلوا، أنـزل الله تعالى: 

 إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ  إلى قوله تعالى:  عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ  إلى آخر الآية. قال: وكتب بذلك من كان بالمدينة إلى من بمكة ممن أسلم، فقال رجل من بني بكر كان مريضًا: إلى "الرَّوْحَاء" فخرجوا به، فخرج يريد المدينة، فلما بلغ "الحصحاص" مات، فأنـزل الله تعالى: 

 وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ 



 قوله تعالى: 

 وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ 
الآية  102 .

أخبرنا الأستاذ أبو عثمان الزعفراني المقري سنة خمس وعشرين قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن زياد السدي سنة ثلاث وستين قال: أخبرنا أبو سعيد الفضل بن محمد الجزري بمكة في المسجد الحرام سنة أربع وثلثمائة قال: أخبرنا علي بن زياد اللحجي قال: حدثنا أبو قرة: موسى بن طارق قال: ذكر سفيان عن منصور، عن مجاهد قال: حدثنا أبو عياش الزرقي قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر، فقال المشركون: قد كانوا على حال لو كنا أصبنا منهم غرّة، قالوا: تأتي عليهم صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم قال: وهي العصر، قال: فنـزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات بين الأولى والعصر:

 وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ  وهم بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، وذكر صلاة الخوف. أخبرنا عبد الرحمن بن عبدان قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد الضبي قال: حدثنا محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس بن بكير عن النضر أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله عليه الصلاة والسلام الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض: كان هذا فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم، فقال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى هي أحبّ إليهم من أهليهم وأموالهم، فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها، فأنـزل الله تبارك وتعالى على نبيه:

 وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ  إلى آخر الآية، واعلم ما ائتمر به المشركون، وذكر صلاة الخوف. 
 قوله تعالى: 

 إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ  الآية  105 . إلى قوله تعالى:

 وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا 

أنـزلت كلها في قصة واحدة. وذلك أن رجلا من الأنصار يقال له: طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحارث سرق درعًا من جار له يقال له: قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده وحلف لهم: والله ما أخذها وما له به من علم، فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أدلج علينا فأخذها وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق. فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منـزل اليهودي فأخذوه، فقال: دفعها إلي طعمة بن أبيرق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكلموه في ذلك، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل، وكان هواه معهم وأن يعاقب اليهودي، حتى أنـزل الله تعالى:
 إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ  الآية كلها، وهذا قول جماعة من المفسرين.






 قوله تعالى:
 لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ 
الآية 123 .

أخبرنا أبو بكر التميمي قال: أخبرنا أبو محمد بن حيان قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل قال: حدثنا عليّ بن مسهر عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قال: جلس أهل الكتاب -أهل التوارة وأهل الإنجيل- وأهل الأديان كل صنف يقول لصاحبه: نحن خير منكم، فنـزلت هذه الآية.
وقال مسروق وقتادة: احتجّ المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم، نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم؛ وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله، نبينا خاتم الأنبياء، وكتابنا يقضي على الكتب التي قبله، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان بقوله تعالى:  وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ  وبقوله تعالى:  وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ الآيتين.
قوله تعالى:  وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا   125 .

اختلفوا في سبب اتخاذ الله إبراهيم خليلا فأخبرنا أبو سعيد النضروي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن السراج قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال: حدثنا موسى بن إبراهيم المروزي قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبد الله، عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا"؟ قـال: "لإطعامه الطعام يا محمد".
وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى: دخل إبراهيم فجاءه ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، قال له إبراهيم: بإذن من دخلت؟ فقال: بإذن رب المنـزل، فعرفه إبراهيم عليه السلام، فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلا قال إبراهيم: ومن ذلك؟ قال: وما تصنع به؟ قال: أكون خادمًا له حتى أموت، قال: فإنه أنت.
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أصاب الناس سنة جهدوا فيها، فحشروا إلى باب إبراهيم عليه الصلاة والسلام يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له، وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم، فمرّوا ببطحاء، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بالميرة، إنا نستحيي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملأوا تلك الغرائر رملا ثم إنهم أتوا إبراهيم عليه الصلاة وسارة نائمة فأعلموه ذلك، فاهتم إبراهيم عليه السلام بمكان الناس، فغلبته عيناه فنام، واستيقظت سارة، فقامت إلى تلك الغرائر ففتقتها، فإذا هو دقيق أجود حواري يكون، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم عليه السلام فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟ قالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله لا من عند خليلي المصري، فيومئذ اتخذ الله إبراهيم خليلا.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكى قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد الجوزي قال: حدثنا إبراهيم ابن شريك قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي المهلب الكناني، عن عبيد الله بن زحر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم بن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وإنه لم يكن نبيّ إلا له خليل، ألا وإن خليلي أبو بكر".
وأخبرني الشريف أبو إسماعيل بن الحسن النقيب قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن حماد قال: أخبرنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي قال: أخبرنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا سلمة قال: حدثني زيد ابن واقد، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتخذ الله إبراهيم خليلا وموسى نجيًّا، واتخذني حبيبًا، ثم قال: وعزتي لأوثرنّ حبيبي على خليلي ونَجِيِّي". 





 قوله تعالى:

 وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ 
الآية  127 

أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قال: حدثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنـزل الله تعالى هذه الآية:  وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ  الآية. قالت: والذي يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها:  وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى  قالت عائشة رضي الله عنها: وقال الله تعالى في الآية الأخرى:

 وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ  رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن. رواه مسلم عن حرملة عن ابن وهب.
 قوله تعالى:

 وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ  
الآية  128 

أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال: حدثنا أبو يحيى قال: حدثنا سهل قال: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن هشام، عن عروة، عن عائشة في قول الله تعالى:

 وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا  إلى آخر الآية: نـزلت في المرأة تكون عند الرجل فلا يستكثر منها ويريد فراقها، ولعلها أن تكون لها صحبة ويكون لها ولد فيكره فراقها، وتقول له: لا تطلقني وأمسكني وأنت في حلّ من شأني، فأنـزلت هذه الآية. رواه البخاري عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك، ورواه مسلم عن أبي كريب وأبي أسامة، كلاهما عن هشام.
 أخبرنا أبو بكر الحيري قال: حدثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيَّب: أن بنت محمد بن مسلمة كان عند رافع بن خديج فكره منها أمرًا، إما كبرًا وإما غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني وأمسكني واقسم لي ما بدا لك، فأنـزل الله تعالى: 

 وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا 

قوله تعالى:

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ  
الآية  135 

روى أسباط عن السدي قال: نـزلت في النبيّ صلى الله عليه وسلم اختصم إليه غنيّ وفقير، وكان ضلعه مع الفقير، رأى أن الفقير لا يظلم الغنيّ فأبى الله تعالى إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير، فقال: 
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ  حتى بلغ 

 إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا 
قوله تعالى:
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ  
الآية  136 

قال الكلبي: نـزلت في عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب، قالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فأنـزل الله تعالى هذه الآية. 
قوله:
 لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ  
الآية  148 

قال مجاهد. إن ضيفًا تضيف قومًا فأساءوا قِراه فاشتكاهم، فنـزلت هذه الآية رخصة في أن يشكوا. 
قوله تعالى: 

 يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا  
الآية  153 

نـزلت في اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيًّا فأتنا بالكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى، فأنـزل الله تعالى هذه الآية. 
قوله تعالى:

 لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ  
الآية  166 

قال الكلبي: إن رؤساء أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سألنا عنك اليهود فزعموا أنهم لا يعرفونك، فأتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك إلينا رسولا فنـزلت هذه الآية:  لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ  
قوله تعالى: 

 لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ 
الآية  171 

نـزلت في طوائف من النصارى حين قالوا عيسى ابن الله، فأنـزل الله تعالى: 

 لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ  
الآية. 
قوله تعالى
 لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ  
الآية  172 


قال الكلبي: إن وفـد نجران قالوا: يا محمد تعيب صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم؟" قالوا: عيسى، قال: "وأيّ شيء أقول فيه؟" قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: "إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبد الله"، قالوا: بلى، فنـزلت:

 لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ  الآية. 
 قوله:
 يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ  
الآية  176 

أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد قال: حدثنا زاهر بن أحمد قال: حدثنا الحسين بن محمد بن مصعب قال: حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا ابن أبي عديّ، عن هشام بن أبي عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر قال: اشتكيت فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي سبع أخوات، فنفخ في وجهي فأفقت، فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلثين، قال: "احبس"، فقلت الشطر، قال: "احبس"، ثم خرج فتركني. قال: ثم دخل علي وقال: "يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا، إن الله قد أنـزل، فبين الذي لأخواتك، جعل لأخواتك الثلثين"، وكان جابر يقول: نـزلت هذه الآية فيّ

 يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق