نتيجة امتحانات 2011 Headline Animator

sharing

السبت، 24 ديسمبر، 2011

ترجمه قصه القناع الذهبى بالحرف الواحد اللغة الانجليزية للصف الثالث الثانوي 2011 منهج جديد

ترجمه قصه القناع الذهبى بالحرف الواحد اللغة الانجليزية للصف الثالث الثانوي 2011 منهج جديد





للمترجم / الاستاذ الدكتور حمدي أحمد

اسال الله ان يبارك فيه وفي عمله




الفصل الأول (إلى أرض إنكا )

استيقظت هذا الصباح ولم أكن أدرى أين أنا . مكثت فى الفراش لحظة أفكر . وبعد بضع ثوان تذكرت . نعم ، لقد عدت إلى منزل فى القاهرة مع والدىّ وأختى سميرة . سمعت فى الخارج تلك الأصوات الت اعتدت سماعها فى الحى الذى نعيش فيه – الأطفال يلعبون فى الشارع ، وبائع الشمام ينادى على سلعته ، والسيارات تهدر عن بعد . سمعت صوت سميرة تقوم بعمل شىء فى المطبخ . ربما كانت تعد القهوة . تنهدت ، فأنا لم أعد فى بيرو ، بل كنت فى منزلى .

نظرت حول الغرفة ، فإذا بصورة توجد على المنضدة المجاورة لفراشى . التقطت الصورة . كانت صورتى . كنت أنظر إلى الكاميرا وأرفع فى يدى تمثالا ذهبيا صغيرا لأحد الحيوانات .

استلقيت على الفراش ونظرت إلى الصورة مرة أخرى . تذكرت ذلك اليوم جيدا . فقد كان يوما طيبا . كل شىء كان يسير على ما يرام . وكان الدكتور حافظ – قائد بعثة التنقيب عن الآثار – يشعر بالاثارة حقا.

نعم ، لقد كان يوما طيبا . إلا أن بعض الأيام التى تلته لم تكن طيبة بنفس القدر . فعندما تذكرت تلك الأيام شعرت برعشة أسفل ظهرى . أغمضت عينىّ . سرعان ما فتحتهما مرة أخرى . وقلت لنفسى " اهدئى ، فقد انتهى الأمر الآن ، وأنت فى أمان هنا فى القاهرة ..."

قد يبدو أن شهرين يمثلان فترة زمنية طويلة . منذ شهرين كنت فى طريقى لبدء أكبر مغامرة فى حياتى . كنت مستقلة سيارتنا مع سميرة. كانت تصحبنى إلى المطار . وكالمعتاد كان طريق المطار مزدحما . ولحسن الحظ كنا قد انطلقنا مبكرين عن موعدنا ، فكان لدينا قدر وافر من الوقت لكى نصل إلى المطار . وسميرة لا تتوقف عن الكلام على الاطلاق . استمعت إليها ، ولم أكن أشعر بالقلق بشأن ازدحام المرور ، ونسيت كم كنت متخوفة من الطيران .

قالت سميرة " من المؤكد أنالإثارة تملؤك وأنت ذاهبة إلى بيرو"

قلت ، " نعم . بالطبع تملؤنى الاثارة حيث إننى لم أسافر إلى أمريكا الجنوبية من قبل . ولكن – لأصدقك القول – لم يتح لى وقت أشعر فيه بالاثارة حقا . فقد أمضيت معظم الليلة الماضية أحزم أمتعتى . أوه ، أتمنى ألا أكون قد نسيت أى شىء " .

قالت سميرة " لا تقلقى فدائما ما ينسى الانسان شيئا ما . إن آخر مرة سافرت فيها نسيت نصف حاجاتى . فلم أستطع أن أفهم لماذا لم تكن أمتعتى أكثر ثقلا! " .

ضحكت . كانت سميرة مرحة للغاية . فعندما تكون معها تنسى بسرعة أنك متخوف أو قلق . إننى أختها ولكنى لست مثلها على الاطلاق . فأنا أقلق بشأن كل شىء .

استمرت سميرة قائلة " يجب أن أخبر الدكتور حافظ بأن يعتنى بك جيدا . فأنا لا أريدك أن تسقطى من أحد جبال الآنديز ، فأعمال التنقيب التى يقوم بها تتم فى اعالى الجبال ، أليس كذلك ؟ " .

قلت : " نعم . إنها على ارتفاع ما يقرب من ألفين وخمسمائة متر . وقد عاش أهل الإنكا على ارتفاعات شاهقة فوق سطح البحر .

فمدينة ماتشوبتشا توجد على ارتفاع ثلاثة آلاف متر . وكوزكو- وهى عاصمتهم – تزيد ارتفاعا عن ذلك . حقا كان هؤلاء الناس فى إنكا يتميزون بالخشونة والصلابة . إن ما أنجزوه مثير للدهشة . هل علمت أنه لم يكن لديهم أى كتابات ومع ذلك حكموا إمبراطورية ضخمة !

" نعم أحد ملوك تشيمو . فقد عزا أهل الانكا أرض أهل تشيمو الذين كانوا مشهورين بالأعمال الفنية الذهبية والفضية . فمعظم الأعمال الفنية الذهبية لأهل الإنكا مصنوعة بواسطة اهل تشيمو فى واقع الأمر . وإذا ما اكشفنا مقبرة ملك فسوف يكون رائعا أن نجد بعض أعمالهم ، حيث لم توجد الأشياء المصنوعة من الذهب إلا عند الملوك والنبلاء ".

قالت سميرة : " يا له من شىء مثير! "

واصلت قائلة : " سوف آخذ معى أيضا آلة صغيرة للدكتور حافظ ، وأعطيه تفاصيل أسلوب جديد قام بتطويره قسم الآثار هنا فى القاهرة. فقد اكتشف الباحثون طرقا جديدة لاكتشاف عمر الأشياء المصنوعة من الخشب أو القماش ، ونأمل أن نستخدمها فى الحفريات التى سنقوم بها فى بيرو " .

" هل هذا هو أسلوب تحديد التاريخ بالكربون ؟ " .

" لا ، فهو يستخدم جهاز ليزر صغيرة ليحدد تاريخ الأشياء . إنه يمثل أحدث تكنولوجيا وجميع ما هو جديد ... "

" أهو سر أيضا ؟ " .

توقفت وفكرت للحظة . " حسنا . نعم ولا . فقليل من الناس من يعلمونه ، ولذلك نعم ، هو يعتبر سرا . ونحن نريد أن نكون أول من يستفيد منه " .

"أسرار أحد قبور إنكا . سوف يكون هذا عنوان جيد لمقال عن حفرياتك ، أليس كذلك ؟ " .

ضحكت . إن سميرة تعمل كمراسلة صحفية لإحدى الصحف بالقاهرة وهى دائما تبحث عن مقالات جيدة لصحيفتها .

واصلت سميرة قائلة : " من المؤكد أنه سيكون لديك العديد من القصص الشقية . فمثلا " عالمة آثار مصرية تكتشف كنز إنكا " أو شىء من هذا القبيل . إننى لأرى العناوين الرئيسية فى الجرائد الآن " .

ضحكت مرة أخرى . إن سميرة رائعة والحماس يملؤها على حد كبير

أصدرت السيارة الموجودة خلفنا صوت آلة التنبيه الخاصة بها ، فنظرت إلى أعلى فإذا بإشارة المرور قد تغيرت إلى اللون الأخضر . نظرت سميرة فى مرآتها وانطلقت مسرعة . سرعان ما وصلنا إلى المطار . قدمت أوراقى الخاصة برحلة الطيران إلى مكتب فحص الجوازات . عانقتنى سميرة وقبلتنى على الخد وبدأت تبكى قليلا .

تنهدت بحزن قائلة : " إنك ذاهبة بعيدا جدا " .

" الأمر هين يا سميرة . أنا ذاهبة لبضع أسابيع فقط " .

قالت ودموعها تسيل : " سوف أفتقدك يا أختى الكبيرة " .

" وأنا أيضا سوف أفتقدك . إننى لا أحسن مداومة الاتصال عندما أكون فى عملى . إلا اننى سوف أرسل لك بطاقة بريدية – أو ربما رسالة بريد إلكترونى ! " .

الفصل الثانى (رجل على متن الطائرة )

ليس هناك رحلات طيران مباشرة من القاهرة إلى ليما، عاصمة بيرو . ولذلك كان يجب أن أسافر جواً‘لى نيويورك ثم أكمل الرحلة بطائرة أخرى . لقد كانت رحلة الطيران طويلة فقرأت كتاباً فى البداية ثم غلبنى النوم . عندما وصلنا إلى نيويورك كنا لا نزال فى نهار ذلك اليوم ـ حيث إن نيويورك متأخرة عن توقيت القاهرة بسبع ساعات .

وكان موعد إقلاع رحلتى القادمة فى الصباح الباكر من اليوم التالى .

أقمت فى فندق بالمطار حيث كان كل شئ مختلفاً كثيراً عن القاهرة .

فى الصباح التالى ركبت متن الطائرة المتجهة إلى ليما بعد السادسة صباحاً مباشرة . وكنت قد طلبت أن أجلس فى مقعد بجوار النافذة . كنت خائفة جداً ولكنى فى نفس الوقت محبة للاستطلاع . وعند إقلاع الطائرة من نيويورك نظرت إلى أسفل على ناطحات السحاب بالمدينة . كانت المبانى العالية تلمع فى ضوء الشمس فى الصباح الباكر.

قال الرجل الذى يجلس بجوارى : "جميل ، أليس كذلك؟ ".

قلت : " نعم . إنه مدهش " .

سألنى : " هل كانت هذه أولى زياراتك إلى أمريكا ؟".

" حسناً . لقد استبدلت الطائرة فقط هنا فى نيويورك . حيث وصلت الليلة الماضية . ولذلك يصعب أن نسميها زيارة . لكن ، نعم ، هى زيارة " .

التفت لأنظر إليه فشاهدت رجلاً فى منتصف الثلاثينات من عمره، ذا شعر أشقر ووجه أسمر . وكان مرتدياً قميصاً أزرق شامراً أكمامه ، لم يكن يشبه رجال الأعمال ولكنه لم يكن يشبه السائحين أيضاً . تساءلت . ما نوع العمل الذى يمارسه ؟ وكان من الصعب معرفة ذلك . كان يبدو وكأنه يعمل خارج المكتب كثيراً .

سأل قائلاً " هل أنت ذاهبة إلى بيرو لقضاء أجازة ؟ " .

قلت : " لا ، ليس بالفعل . إنها رحلة عمل " .

فقال : " وأنا أيضاً ، فأنا مهندس تعدين " .

كنت قد قرأت الكثير عن بيرو فى الأسابيع القليلة الماضية وعملت بمناجم النحاس والفضة فيها .

سألته : " أى أنواع التعدين تقوم به فى بيرو ؟ نحاس أم فضة ؟ "

ابتسم وأجاب قائلاً : " أوه . هناك الكثير من مناجم النحاس ومناجم الفضة بالفعل فى بيرو . إننى أبحث عن أماكن يوجد بها أشياء أخرى شيقة يمكن الكشف عنها " .

تساءلت ماذا كان يقصد بذلك . ربما لم يشأ أن يقول أى شئ محدد عن عمله ، ومع ذلك فقد آثار هذا الموضوع اهتمامى ، وبرغم كل شئ فالتعدين والآثار تجمعهما أشياء مشتركة .

كانت لهجته غريبة . ظننت أنه قد يكون المانى الجنسية . فهو لم يكن أمريكيا ، وأنا متأكدة من ذلك .

سألته : " هل يتطلب عملك أن تجوب جميع أرجاء بيرو ؟ ".

" هذا صحيح ، فأن أعمل فى جميع أنحاء القطر . إن مقر عملى فى الولايات المتحدة ولكنى أقضى بضعة أشهر من كل عام فى بيرو " .

" هل أنت أمريكى ؟ "

قال : " حسنا . إننى أحمل جواز سفر أمريكيا إلا أننى ولدت فى جنوب أفريقيا . وماذا عنك ؟ لقد قلت أنك ذاهبة إلى بيرو فى مهمة عمل . هل لى أن أسأل أى نوع من الأعمال ؟ " .

وهكذا أخبرته عن الحفر الأثرى وأنه جزء من برنامج تبادل تابع لمنظمة اليونسكو . وعندما سمع أننى عالمة آثار ، بدا عليه الاهتمام التام بعملى .

" هل يعنى هذا البرنامج التابع لمنظمة اليونسكو أن علماء آثار من بيرو يعملون فى مصر ؟".

قلت :"نعم . إنها لفكرة شيقة ذلك أن هناك بعض أوجه الشبه بين القدماء المصريين والشعوب القديمة فى امريكا الجنوبية " .

" إذن هل أنت مصرية ؟ " .

" نعم . أنا مساعدة بحث بجامعة القاهرة " .

" ما الذى جعلك تختارين موضوع الآثار للدراسة ؟ " .

" حسناً . إن الدكتور حافظ ، وهو صديق قديم للعائلة ، عالم آثار مشهور . وكان مع والدى فى المدرسة . وعندما كنت صغيرة كنت أحب أن أستمع إليه ، حيث اعتاد أن يخبرنا عن العمل الذى كان يقوم به . أحياناً كان يطلعنا على صور لأشياء عثر عليها من قبل . وهى أشياء

يرجع تاريخها إلى الاف السنين. وكان ذلك شيئا مثير جدا. فقعدت العزم أن أحذو حذوه".

"هل درست معه فى القاهرة؟".

"لا.لم أعتقد أنها فكرة جيدة جداً. فربما ظن الناس أنه يعاملنى معاملة خاصة. فهو لن يفعل ذلك ولكنك تعرف كيف يتحدث بعض الناس. فى الواقع لقد حصلت على درجتى العلمية فى روما من معهد الاثار الإيطالى".

"أين كان الدكتور حافظ يعمل؟هل فى الأقصر؟".

أجبت:" نعم هذا صحيح".

سأل الرجل:"هل كان يعمل فى وادى الملوك؟".

أجبت :"لا. بل فى وادى النبلاء. فقد عملنا هناك سويا.

وكان هذا أول عمل حفر بالنسبة لى. اكتشفنا مقبرة بها رسومات رائعة لطيور وحيوانات على الحوائط.وكانت الألوان زاهية وكأنها قد نقشت بالأمس. لقد كانت مذهلة. كان بها بعض المجوهرات الجميلة".

سأل قائلا:"هل تأملين أن تجدى مقابر مثلها فى بيرو؟".

قررت أننى لا أرغب فى أن أخبر هذا الرجل المزيد من المعلومات أكثر مما يجب. فقد كان يتحدث بسهولة وثقة إلا أنه كان يطرح الكثير من الأسئلة. ربما يكون ذلك طبيعيا على متن طائرة، غير أننى لم أشعر بالارتياح الشديد. لحسن الحظ حضر مضيف الرحلة فى هذه اللحظة ومعه المشروبات والطعام. بعد ذلك فتحت حقيبة أوراقى وأخرجت بعض الأوراق التى أحضرتها معى من القاهرة للدكتور حافظ. بدأت أقرأ تلك الأوراق وكانت شيقة تماما، وكلها عن أحدث التطورات فى بحوث الاثار. وعندما انتهيت طويت الأوراق ووضعتها فى جيب المقعد الموجود أمامى.

بعد الغذاء تم عرض فيلم لكنى لم أشاهده، فمن المؤكد أننى كنت نائمة طوال مدة الفيلم. كانت كابينة الطائرة ما زالت مظلمة عندما استيقظت. مددت ذراعى وأرجلى وتلفت حولى وأنا فى المقعد. فتحت عينى قليلا. رأيت الرجل يبحث عن شئ. تثاءبت وتظاهرت بالاستيقاظ.

قال:"اسف. هل أيقظتك؟ لقد كنت أبحث فقط عن مجلة خطوط الطيران، إذا لم أجد نسختى منها".

قلت:" تفضل. خذ مجلتى". أخذ المجلة وبدأ يقرؤها وأغمضت عينى. لكنى لم أنم هذه المرة.

لم نتحدث مرة أخرى حتى صرنا على وشك الهبوط فى ليما. نظرت من االنافذة حيث كنت حريصة على أن أرى ليما لأول مرة، غير أنه كان هناك سحاب كثيف فوق المدينة.

قال الرجل:" يوجد مثل هذا السحاب الكثيف فوق ليما بصفة شبة دائمة. إنه لشئ يصيب بالإحباط. أليس كذلك؟".

أجبت:" بلى. ولكنى لن أقيم فى ليما. سوف يقابلنى الدكتور حافظ فى المطار ثم نستقل الطائرة إلى كوزكو".

"فهمت. إذن هل ستعملين فى كوزكو؟".

أجبته:" نعم. فى منطقة كوزكو". لم أشأ أن أخبره بدقة عن المكان الذى يقوم فيه الدكتور حافظ بالحفريات.

أضاءت عيناه وقال : " فى هذه الحالة قد آراك مرة أخرى ، فسوف يكون عملى أنا أيضا هنا وهناك فى كوزكو . وبالمناسبة اسمى مارتن لاندر "

أومأت ولكنى لم أقل أى شئ . الآن بدأت الطائرة فى الهبوط . أشعر بالخوف عندما تقلع الطائرة، ولكنى أشعر بخوف أشد عند هبوطها . لا أدرى سبب ذلك . إنه لشئ سخيف حقا . عندما أرى الأرض صاعدة لتقابل الطائرة فإننى أشعر بالغثيان تماماً . أمسكت ذراعى مقعدى بيدى بشدة . يجب أن أتذكر ألا أطلب المقعد المجاور للنافذة عند سفرى بالطائرة المرة القادمة .

فى هذه المرة قام الطيار بهبوط مثالى * لم نكد نشعر بأى مطب. ومع ذلك فقد تنفست الصعداء عندما سمعت الإعلان . " مساء الخير سيداتى وسادتى . لقد هبطنا الآن فى مطار ليما الدولى . التوقيت المحلى هو الثالثة والنصف بعد الظهر " .

كان هناك صف من الناس عند نقطة فحص الجوازات . وبدا أنه يجب أن أنتظر لفترة طويلة . كنت أدرى أن مارتن لاندر كان خلفى مباشرة ولكنى تظاهرت بعدم رؤيته . يجب ألا تتحدثى مع الناس بعد مغادرتك للطائرة . فعندما تكونون على متن الطائرة فأنتم أصدقاء ، لكن بمجرد مغادرة الطائرة تصبحون غرباء مرة أخرى . إنه لأمر غريب حقاً .

وفى النهاية جمعت أمتعتى ومررت عبر الجمارك . أرادوا أن يفحصوا كل شئ فى أمتعتى بعناية وخاصة آلة الليزر . لكنى شرحت لهم أننى أعمل ضمن مشروع أثرى تابع لمنظمة اليونسكو . أطلعتهم على بعض الأوراق وبعد ذلك سمحوا بالمرور . ذهبت إلى صالة الوصول . كان هناك حشد كبير من الناس ينتظرون . لكن لم يمض وقت طويل حتى سمعت صوتاً ينادى باسمى .

" ليلى ! ليلى ! ها هنا " .

إنه الدكتور حافظ . ابتسمت ولوحت إليه بيدى . كان مسروراً جداً لرؤيتى .

قال : " إنه لشئ رائع أن اراك يا ليلى . كيف حالك ؟ كيف كانت رحلتك ؟ وكيف حال والدك ؟ سميرة ؟

العديد من الأسئلة ! وقد كنت متعبة . متعبة إلا أننى أشعر بالإثارة لوصولى .

" كل من فى القاهرة بخير يا دكتور حافظ . الجميع يرسلون لك التحية . والرحلة كانت جيدة إلا أنها كانت طويلة جداً . إن هذا هو أطول وقت مكثت فيه فى الجو طوال حياتى " .

سأل الدكتور حافظ : " هل أحضرت الليزر ؟ " .

" نعم ، بالطبع . سألونى عنه فى الجمارك .... " .

كان الدكتور حافظ يحدق النظر فى شخص ما خلفى . بطريقة أو بأخرى عرفت أنه مارتن لاندر حتى قبل أن ألتفت . لم أكن أدرى ما أفعل . قررت أن أقدم كلا منهما إلى الآخر . قلت " أوه . دكتور حافظ هذا هو السيد لاندر . لقد قابلته على متن الطائرة " .

بدا أن الدكتور حافظ فى حيرة من أمره وسأل : " ألم نتقابل من قبل فى مكان ما ؟ فى منطقة ماتشوبتشا ، أليس كذلك ؟ لقد كنت تقوم ببعض العمل الخاص بالآثار هناك " .

ضحك لاندر . " لا . للأسف لم أكن أنا . إننى مهندس تعدين ولست عالم آثار . أنا متأكد أننا لو تقابلنا من قبل كنت سأذكر ذلك .

ولكن من دواعى سرورى أن أقابلك الآن . لقد أخبرتنى مساعدتك عن عملك فى مصر ".

أشرقت عينا الدكتور حافظ . وقال : " آه . نعم حفريات وادى النبلاء " . " مقابر رائعة ... " .

" دكتور حافظ . أعتقد أنه يجب أن نمضى . فالطائرة المتجهة إلى كوزكو تقلع قريباً جداً ، أليس كذلك ؟ " .

" أهذا صحيح ؟ أوه . نعم ، أعتقد أنك على صواب . حان الوقت ؟ يا إلهى . علينا أن نسرع . سررت لمقابلتك يا سيد ماندر " .

لم يصحح مارتن لاندر هذا الخطأ فى نطق اسمه . قال " أتمنى أن نتقابل مرة أخرى فى بيرو " .

الفصل الثالث رحلة طيران إلى كوزكو )

كانت الطائرة المتجهة إلى كوزكو كاملة العدد . أقلعنا من ليما وسرعان ما خلفنا وراءنا السحاب الكثيف . نظرت إلى أسفل ورأيت السهل الساحلى . كان يبدو جافاً جداً وذكرنى بصحراء مصر . لكن بعد مرور وقت قصير بدأنا نرتفع فوق الجبال . كانت هذه الجبال خضراء ـ كانت مغطاة بالأشجار والشجيرات . وكانت الجوانب شديدة الانحدار ، ورأيت أنهاراً سريعة التدفق .

كانت هناك مجموعة كبيرة من السائحين الألمان على متن الطائرة . لكننى والدكتور حافظ استطعنا أن نجلس معاً . تصفح الأبحاث التى كنت قد أحضرتها معى . وأثناء قراءته كان يومئ لنفسه .

قال : " نعم . تماماً مثلما اعتقدت . حسن " .

وضع الأبحاث جانباً داخل حقيبة أوراقه .

قال : " متأسف يا ليلى ، ولكن كان يجب فقط أن أقرأ هذه الأبحاث التى أحضرتها . فهذه الأبحاث تبين أننا نعمل على نحو صحيح.

سألته عن سير الحفريات .

قال : " نحن نحفر أحد المواقع بالقرب من كوينكو . إنها تبعد حوالى ثلاث ساعات بالسيارة عن كوزكو . نحن نوقن الآن أن مدينة عظيمة كانت توجد هناك فى ما مضى .

" إن هذا لشئ مثير حقاً ، أليس كذلك ؟ " .

ابتسم الدكتور حافظ . " نعم إنه مثير . بالطبع يعرف الجميع ماتشوبتشا – مدينة إنكا العظيمة التي فقدت منذ مئات السنين . إن أولئك السائحين الألمان لذاهبون إلى هناك دون شك . ونحن نوقن أن هناك مدنا أخرى تابعة لإنكا ومدنا خاصة بالشعوب التى قهروها . وبعض هذه المدن لم تكتشف بعد . ليس بعد على أى حال " .

فهمت أن الدكتور حافظ لديه شىء يريد أن يخبرنى به . فسألته : " ماذا وجدتم ؟".

نظر الدكتور حافظ حوله لكن الألمان كانوا يضحكون ويتحدث بعضهم إلى بعض . لم يكن أى أحد يستمع إلى حوارنا .

واصل الدكتور حافظ قوله : " لقد أتيت فى توقيت جيد يا ليلى ". ثم قال بصوت خفيض : " منذ يومين وجدنا حائطا فى المدينة . نحن نظن أنه حائط مقبرة . سوف ندخل إلى المقبرة من خلاله هذا الأسبوع".

عندئذ شعرت بالاثارة فعلا . قلت : " مقبرة !! ... أى نوع من المقابر ؟".

قال : " قد تكون مقبرة أحد الملوك " .

" كيف عرفت ؟" .

" توجد بعض العلامات على الحائط . وتوجد أيضا صورة لحيوان اللاما . وهذه علامة على أنها قد تكون مقبرة ملكية " .

لم أقل شيئا ، بل نظرت إليه وحسب . ضحك الدكتور حافظ .

" إنه لأمر عجيب ، أليس كذلك ؟ ها نحن هنا . اثنان من المصريين يحفرون مقابر إنكا القديمة . لكن خبرتنا فى وادى النبلاء مفيدة حقا . إنه لأمر مشوق جدا أن نكتشف أوجه الشبه والاختلاف بين طرق دفن أهل الانكا والقدماء المصريين لموتاهم ".

واصل الدكتور حافظ قوله :" على سبيل المثال وضع أهل الانكا والقدماء المصريين أشياء من الذهب والفضة بجوار أجساد ملوكهم ، وألبسوهم ملابس جميلة ، ووضعوا أقنعة ذهبية على وجوههم ، ووضعوا تماثيل ذهبية للحيوانات داخل المقابر ، وكذلك وضعوا الطعام والشراب بجوارهم . كانوا يؤمنون بأن ملوكهم وملكاتهم سوف يحتاجون إلى الطعام والشراب عند دخولهم إلى الآخرة ".

" هل قام أهل الإنكا بتحنيط ملوكهم وملكاتهم كمومياوات ؟ "

قال الدكتور حافظ : " نعم ، فعلوا ذلك . لقد تم تحنيط ملوك الإنكا . وهناك شىء شيق بالفعل لم يحدث فى مصر . ففى الأعياد الهامة من كل عام كانوا يضعون مومياوات الملوك على محفات ويكسونهم ملابس أنيقة ويمرون بهم عبر الشوارع !" .

" إذن كانت هناك بعض الاختلافات بين ما فعله أهل الإنكا وما فعله القدماء المصريون ؟ " .

" نعم ، بالطبع . وقد فعل أهل الإنكا شيئا آخر لم يفعله القدماء المصريون على الاطلاق ".

سألته : " وما هذا الشىء ؟".

وللمرة الثانية نظر الدكتور حافظ حوله وكأنه لم يرغب فى أن يسمع أحد ما كان ينوى قوله . " قتل أهل الإنكا النساء والخدم ودفنوهم مع الملك بغرض أن يتولوا رعاية الملك فى الآخرة " .

بعد ذلك لم نتحدث لبضع دقائق . التفت الدكتور حافظ ونظر من النافذة . كنا نطير فوق جبال مرتفعة . كان الجليد يغطيها .

قلت : " جبال الأنديز . إنها جميلة . أليس كذلك ؟ لم أر قط مثل هذه الجبال من قبل ".

أومأ الدكتور حافظ . " إن بعض قمم الجبل تزيد على ارتفاع ستة آلاف متر . إنه لمن المذهل أن نتصور أننا لسنا بعيدين عن خط الاستواء ومع ذلك يوجد الجليد بصفة دائمة ".

ومرة أخرى سكت الدكتور حافظ برهة . ثم التفت إلىّ قائلا :

" ليلى . ذلك الرجل الذى قابلناه فى المطار . ألم يكن اسمه ماندر ؟" .

" لاندر . مارتن لاندر . قال إنه يعمل لدى شركة التعدين المتحدة " .

" أنا متأكد أننى قابلته من قبل . ومع ذلك لم يكن يدعى لاندر . كان يعمل لدى شركة التعدين المتحدة ، إلا أنه تورط مع بعض من الناس الذين كانوا يأخذون أشياء من إنكا إلى الخارج . أعتقد أنه اضطر إلى ترك وظيفته فى شركة التعدين المتحدة . وهذا أمر آخر . إننى لا أعتقد أن التعدين المتحدة تزاول عملها الآن فى بيرو" .

" نعم . قد تكونين على صواب . لكن من المؤكد أنك لست شديدة الحرص . أنت لم تخبريه عن أى شىء يخص عملنا فى بيرو ، أليس كذلك ؟".

شعرت بوجهى يزداد حرارة . تذكرت الأسئلة التى طرحها علىّ مارتن لاندر . " حسنا . لقد أخبرته القليل عن عملنا . ولكن ليس الكثير ".

بدا على الدكتور حافظ جدية الأمر . " يجب أن تكونى حريصة يا ليلى . هناك أناس يأتون إلى بيرو وينقبون عن الآثار فى مدن إنكا القديمة . إنهم ليسوا علماء آثار مثلنا ، ولا يهتمون بالأشياء الخاصة بالماضى . إنهم يقتحمون المقابر ويجدون اشياء من الذهب والفضة ويأخذونها خارج البلاد . يجب أن توضع هذه الأشياء فى المتاحف كى يشاهدها كل الناس . لكن اللصوص يبيعونها إلى هواة جمع المقتنيات من الأغنياء ".

" ألا يعلم هؤلاء الهواة أن هذه الأشياء مسروقة ؟ ".

" بعضهم يعلم وبعضهم لا يعلم . إلا أن معظمهم لا يبالون.

لذلك كونى حريصة فى ما تقولين ومع من تتحدثين يا ليلى ".

قلت : " نعم يا دكتور حافظ " .

" على أية حال أريد قبل أن نهبط أن أتحدث إليك قليلا عن عملنا وكيفية تنظيمنا . هناك فريقان تحت إدارتى . سوف تكونين مسئولة عن فريق واحد يتألف من ثلاث علماء آثار محليين . إننى أرى أنه من الأفضل تكوين فرق صغيرة بدلا من فريق واحد كبير . أنا أحتاج إلى شخص يفهمنى ، شخص يمكننى أن أثق به . لهذا كنت حريصا جدا على أن تأتى إلى بيرو . أرى أنه فى بعض الأحيان يمكن أن يكون الوضع صعبا هنا . فلدى أهل البلد المحليين أفكار مختلفة . وبما أننى لا أتحدث الأسبانية وهم لا يتحدثون العربية فعلينا أن نستخدم اللغة الانجليزية . أحيانا لا افهم لغتهم الانجليزية . أعتقد أن الأمر بحاجة إلى شخص اصغر سنا ".

اندهشت فى الحقيقة وقلت : " لكن يادكتور حافظ هل أنت متأكد أنها فكرة صائبة أن أكون مسئولة عن فريق ؟".

" نعم ،طبعا . لا تقلقى فكل شىء سوف يكون على ما يرام ".

ظهرت علامة ربط أحزمة المقاعد ، وبدأت الطائرة فى الهبوط . وأبلغنا مضيف الرحلة أننا سوف نصل إلى كوزكو خلال عشر دقائق . ربطت حزام مقعدى ولكن يدىّ كانت ترتعشان قليلا . نظر الدكتور حافظ إلىّ .

قال : " تبدين شاحبة بعض الشىء . هل أنت بخير ؟ "

قلت : " نعم ، بالطبع . إننى لا أحب الهبوط ، وخاصة فى طائرات صغيرة كهذه الطائرة " .

لكننى كنت أفكر أيضا فى ما قاله الدكتور حافظ . أنا مسئولة عن علماء آثار محليين ؟ لم أكن أتوقع ذلك .

ارتطمنا بالأرض بشدة ولكن خفضت الطائرة فى الحال . وكان الصوت الصاخب المعتاد الذى يخيفنى دائما . ودرجنا بالطائرة على سطح الأرض فى اتجاه صالة وصول مطار كوزكو.

سأل الدكتور حافظ : " هل أنت بخير الآن يا ليلى ؟ "

حاولت أن أبتسم . " نعم ، شكرا . أنا بخير " .

كان مطار كوزكو صغيرا جدا . خرج السائحون الألمان أولا . وكان رجال ونساء من شركتهم السياحية ينتظرونهم بوجوه باسمة . حتى انصرفت جماعة السياحة من الطريق أمامنا . التقطنا حقائب السفر الخاصة بى واتجهنا نحو منفذ الخروج . كان فى انتظارنا امرأة تقاربنى فى السن . كانت مرتدية بنطلونا وقميصا بنيا ومعطفا قصيرا .

" ليلى ، أود أن أقدم لك إيماليا جوزمان وهى إحدى علماء الآثار المحليين الذين يعملون معنا فى حفرياتنا . إيماليا ،أقدم لك ليلى القصبى . لقد سافرت جوا من مصر حتى هنا لكى تعمل معنا ".

تصافحنا .

سألتنى إيماليا : " هل كانت رحلتك طيبة ؟ " .

" نعم ، لقد كانت حسنة ، ولكنى أشعر بالتعب بعض الشىء " .

قال الدكتور حافظ : " إن ليلى لا تحب الطيران " .

قالت إيماليا : "يؤسفنى سماع ذلك " ، نظرت إلى دونما ابتسامة ، ثم التفتت إلى الدكتور حافظ .

قالت إيماليا : " إن سيارة اللاندروفر معى هنا يا دكتور حافظ . دعنى أساعد فى حمل أغراضك " .

رفض الدكتور حافظ عرض المساعدة منها . كان معى حقائب سفر أكثر من الدكتور حافظ بكثير ، لكن إيماليا لم تعرض على المساعدة. وبدلاً من ذلك التفتت وسارت أمامنا لتقودنا إلى خارج المطار . فى غضون بضع دقائق كنا داخل اللاندروفر . تولت إيماليا القيادة . تحدثت مع الدكتور حافظ بينما كانت تقود السيارة . كنت أجلس فى الخلف . انطلقنا بالسيارة خارج كوزكو وعلى طريق ترابى .

شعرت بإثارة شديدة لوجودى فى بيرو . لم أستطع الانتظار حتى أصل إلى موقع التنقيب لكى أرى ما فعله الدكتور حافظ ، إلا أن هذا سوف يكون مختلفاً . كنت أشعر بالإثارة وشئ من الخوف . هل سأستطيع أن أقوم بالعمل الذى أراد الدكتور حافظ أن أؤديه ، لقد أحضرنى بيرو لإنجاز عمل . تمنيت ألا أخذله .

الفصل الرابع ( تل الملوك )

كنت مرهقة جداً عندما وصلنا إلى المعسكر ، فذهبت إلى الفراش مباشرة ، وبالطبع استيقظت فى منتصف الليل ، ولم أستطع أن أواصل النوم مرة أخرى . هذا هو الاحساس بالتعب الشديد بعد رحلة طيران طويلة . سوف يستغرق ألأمر منى بضعة أيام كى أتكيف مع فارق التوقيت والارتفاع عن سطح البحر . فى هذه اللحظة اعتبر جسمى النهار ليل وأن الليل نهار . لذلك عندما حان وقت الاستيقاظ ، كنت لا أزال متعبة .

سأل الدكتور حافظ أثناء تناولنا للإفطار : "كيف تشعرين؟"

أجبت : " أنا بخير . ولكنى مازلت متعبة إلى حد ما . وأشعر بقليل من الصداع " .

قال الدكتور حافظ : " هذا بسبب الارتفاع عن سطح البحر . اذهبى إلى إيماليا فإن لديها بعض أقراص للصداع . تناولى اثنين منها وسوف تشعرين بالتحسن سريعاً " .

قالت : " حسناً " .

" يجب أن أذهب إلى كوينكو لحضور اجتماع . نحن نترقب زيارة من ممثلة اليونسكو المحلية الأسبوع القادم . نريد أن نتأكد أنها ستأخذ انطباعاً طيبا عما نفعله هنا " .

سألت : " هل من مشكلة فى ذلك ؟ " .

" لا . ليس بالفعل ، ولكن هذا مشروع هام بالنسبة لنا وبالنسبة للحكومة البيروفية . وإن هذه هى المرة الأولى التى يحدث فيها هذا النوع من التبادل . تساندنا اليونسكو حتى نهاية هذه السنة . لكن إذا لم نجد شيئا هاما قبل ذلك ، فإنهم قد لا يرغبون فى مساندتنا فى العام القادم . هناك العديد من المشروعات الأثرية التى تحتاج إلى المساعدة " .

" ماذا تريدنى أن أفعل أثناء وجودك فى كوينكو ؟ " عندئذ كانت رأسى تؤلمنى بشدة . كنت فى حاجة إلى أقراص الصداع من إيماليا بسرعة .

" سوف تأخذك إيماليا فى جولة داخل الموقع وتخبرك بما فعلنا " .

وجدت إيماليا تعمل فى أحد أركان الموقع . أعطنى قرصين وتناولتهما مع كأس من الماء .

" هل من الممكن أن تأخذينى فى جولة داخل الموقع ؟ إننى أود بالفعل أن أعرف مدى ما وصلتم إليه فى الحفريات " .

ردت إيماليا : " بالطبع . سوف يكون ذلك من دواعى سرورى" .

لكنها لم تبد سعيدة جداً بأن تأخذنى فى جولة حول الموقع .

وتساءلت : لماذا لم تبدو سعيدة أو ودودة تماما ؟ إنها لم تبد سعيدة جداً بأن ترانى هناك على الإطلاق . لم أستطع أن أدرك السبب . وقبل أن تبدأ فى شرح ما أنجزوه فى الموقع ، سألتنى كم أعرف عن حضارة إنكا .

" لقد قمت ببعض الأبحاث عن أهل الإنكا عندما كنت أدرس فى معهد الآثار الإيطالى . . وطبعا قرأت تقارير الدكتور حافظ عن الحفريات " .

قالت إيماليا مبتسمة : " أوه . نعم . الدكتور حافظـ أعتقد أن هذا سبب وجودك هنا فى بيرو " .

عرفت ما كانت تحاول أن تقول . كانت تقصد أننى هنا فقط لأن الدكتور حافظ كان صديقاً لعائلتى . تساءلت ما إذا كان ذلك هو السبب فى انها لم تكن ودودة معى بدرجة كبيرة .

قلت بأسلوب دفاعى نوعا ما : " بالطبع أنا سعيدة بالعمل مع الدكتور حافظ . لقد عملت معه من قبل . لكن لا تأخذى فكرة خاطئة يا إيماليا . إننى هنا لأننى عالمة آثار ذات خبرة . ويعتقد الدكتور حافظ أن خبرتى سوف تكون مفيدة فى تلك الحفريات " .

قالت : " نعم ، طبعاً . أين عملت معه من قبل ؟ "

" فى مصر فى وادى النبلاء . كشفنا بالحفر عن قبر سنوفر سوياً . ربما أنك سمعت عنه ؟ " .

نظرت إيماليا إلى باهتمام . وقالت ببطء : " أوه . نعم " . " نعم لقد سمعت عنه . إذن فقد قمت بالعمل فى قبر سنوفر ؟ " .

أومأت برأسى .

لم تقل إيماليا الكثير بعد ذلك . جعلتنى أرى الموقع . كان الموقع يشبه إلى حد بعيد ماتشوبتشا على قمة تل صخرى وتحيط به قمم أخرى.

بجوار منطقة الحفريات كانت هناك أكواخ . وعلى جانب أحد هذه الأكواخ استندت مجاريف وأدوات أخرى . ورأيت بعض الناس يعملون . كان الدكتور حافظ قد أخبرنى أنه يوجد حوالى عشرين شخص يعملون بالمشروع فى ذلك الوقت كان من الممكن أن ترى الحدود الخارجية لمبان مختلفة . كانت هناك أساسات من الحوائط . وكان الناس فى كل مكان يزيحون التراب عن الأرض برفق وعناية . بدأت إيماليا توضح لى ما الذى كانوا يبحثون عنه . أشارت إلى جانب أحد التلال .

قالت لى إيماليا : " نعتقد أنه من المحتمل أن نكون قد وجدنا مقبرة أحد ملوك تشيمو . كان أهل تشيمو أحياناً يقومون ببناء مقابرهم فى جوانب التلال مثل ذلك . وذاك التل يسمى (تل الملوك) بلغة الإنكا . فقد غزا أهل الإنكا بلاد تشيمو ، إلا أنهم سمحوا لملوكهم أن يحكموا بشرط أن يظهروا ولاءهم لأهل الإنكا . وقد أرسلوا أبناء ملوك تشيمو إلى كوزكو . عاصمة إنكا ، ليتأكدوا من ولاء آبائهم ‍ " .

قلت : " يا له من أمر شيق . وماذا وجدتم حتى الآن ؟ " .

أجابت إيماليا : " بعض أجزاء من الأوانى الفخارية . ووجدنا عظام بعض الحيوانات . ومازلنا نواصل العمل فى ذلك المبنى الموجود هناك . نعتقد أنه بهو المدخل وربما يكون هو المكان الذى مارس فيه الكهنة طقوسهم . ويمكنك أن ترى حائطا فى نهاية المبنى " . أشارت إلى حائط فى جانب التل . وكان قد تم إزاحة الشجيرات ،واستطعت أن أرى نمطاً من تصميمات الصخور .

" إذن أنتم تعتقدون أن المقبرة خلف ذاك الحائط ؟ " .

" نعم نعتقد ذلك . لكننا لن نوقن حتى تفتح ثقباً فى الحائط ونرى ما يوجد خلفه " .

فجأة صدرت صيحة من أحد الرجال الذين يعملون فى الموقع . فلننظر .

" يبدو أن رامون قد وجد شيئاً هاماً . فلنلق نظرة " .

مشينا إلى حيث كان رامون يعمل . كان رامون رجلاً صغير الجسم ، أسمر البشرة ، ذا وجه قد أحرقته الشمس . لقد أزاح التراب عن شئ .

قالت إيماليا : " ما هذا يا رامون ؟ " .

قال رامون : " إنه تمثال ذهبى لطفل . كان أهل الإنكا يقدمون الأطفال كقرابين لإرضاء الآلهة . كانوا يضعون هذه التماثيل الذهبية بجوار جسد الطفلة أو الطفل الصغير " .

قلت : " ما أفظع ذلك " .

" نعم . لم تمثل حياة الشخص قيمة كبيرة بالنسبة لأهل الإنكا " .

قال رامون لإيماليا شيئا باللغة الأسبانية ، فأومأت برأسها . انصرف رامون مسرعاً تجاه أحد الأكواخ . والتفتت هى إلىَّ لتشرح لى .

" لقد ذهب رامون لإحضار بابلو ألفاريز . نحن نعرض بابلو أى شئ نجده هنا " .

" ومن يكون هو ؟ " .

" بابلو يعمل لدى وزارة الثقافة البيروفية . وهو أيضاً ضمن اللجنة التى تقوم بإخطار ممثلة اليونسكو فيما يختص بمشروعنا . إنه يدون كل شئ نجده . بالطبع كل شئ نجده يظل فى بيرو ، فهو ملك للشعب البيروفى . أنت تعرفين أنه يوجد لصوص هنا يحاولون سرقة مقابرنا " .

قلت : " أنا أعرف ذلك . مازالت لدينا نفس المشكلة منذ عصر الفراعنة " .

قالت إيماليا : " ها هو بابلو . سوف يخبرك كل شئ عن عمله " .

تقدم نحونا شاب طويل القامة .

سأل : " أين التمثال " . أطلعته إيماليا على التمثال . نظر إليه .

قال : " جميل . رائع جداً وحزين جداً . خلال الأيام القليلة القادمة . حينئذ سوف نعرف بالتأكيد . بابلو ، أقدم لك ليلى القصب" .

قال بابلو : " آه نعم . موتشوجستو . أنا مسرور لمقابلتك . هل هذه أول زيارة لك إلى بيرو ؟ " .

أجبت : " أجل " .

" هل تعرفين الكثير عن بيرو وحضارتها القديمة ؟ " .

قلت : " ليس بقدر ما تعرف أنت بالتأكيد . لكننى قرأت كثيراً جداً عن بيرو قبل حضورى إلى هنا " .

قال : " أتمنى أن تكونى قد علمت ماذا تعنى حضارة إنكا بالنسبة لشعب بيرو فى الوقت الحاضر . كان أهل إنكا يمثلون حضارة عظيمة .

فقد حكموا منطقة ضخمة من امريكا الجنوبية وامتدت إمبراطوريتهم بداية مما يعرف حالياً بكولومبيا فى الشمال إلى الدولة التى تعرف حالياً بشيلى فى الجنوب . كانوا يحكمون ما يزيد على عشرة ملايين نسمة .

لقد بنوا مددناً عظيمة وصنعوا أشياء جميلة . نحن البيروفيين فخورون جداً بتراث إنكا الخاص بنا . إننا نسمح للأجانب بأن يأتوا إلى هنا وينقبوا عن مدننا القديمة . نحن سعداء بأن نفعل ذلك ، ولكننا نريد أن نحتفظ بالأشياء التى تجدونها هنا فى بيرو حيث تنتمى . يجب أن نكون هنا حريصين لأن هناك العديد من اللصوص الذين يأتون إلى هنا ليسرقوا حضارتنا ويبيعونها للأغنياء من هواة جمع المقتنيات ، لدرجة أن هناك متاحف تشترى أشياء تمت سرقتها من بيرو . متاحف ـ ليس أفراد من هواة جمع المقتنيات . هل لك أن تصدقى ذلك ؟ " .

ابتسم : " أنا آسف يا آنسة القصبى . لقد قابلتك منذ لحظات وها أنا الآن ألقى عليك خطبة " .

" لا . أنت محق تماماً يا سنيور ألفاريز . يجب ألا نسمح أن يقع أى شئ فى أيدى اللصوص ".

قال : " هذا شئ طيب . إذن فنحن متفقون بهذا الشأن . سررت بمقابلتك يا آنسة القصبى . وداعاً مؤقتاً " .

بعد مرور ثلاثة أيام فتحنا الحائط ودخلنا إلى المقبرة . كان ذلك من أكثر الأيام إثارة فى حياتى . جلست فى وقت متأخر من بعد ظهر ذلك اليوم وكتبت رسالة طويلة بالبريد الإلكترونى إلى سميرة . علمت أنها تحب أن تسمع عن ذلك . أخبرتها أنه بإمكانها أن تكتب مقالاً عن ذلك لصحيفتها . على أى حال فيما يلى نص ما كتبته .

عزيزتى سميرة /

لم نجد كنزاً ـ حتى الآن . لكن اليوم كان يوماً مذهلاً ! فتحنا حائط احدى المقابر . قد تكون مقبرة أحد الملوك . نحن جميعا هنا نشعر بإثارة شديدة .

لقد تم إخلاء المنطقة المحيطة بالحائط قبل وصولى . كانت من قبل مغطاة بشجيرات كثيفة . أدهشنى ذلك الحائط .

فقوالب الكتل الحجرية مقطعة على نحو جميل جداً وموضوعة فى مكانها ـ مثل لغز الصور المقطعة لكن بحجم ضخم .

كان علينا أن نعمل ببطء شديد لأننا لا نريد أن نتلفها على أى نحو . أخيراً نجحنا فى تحريك حجر واحد واستخراجه .

قمنا بنزع المزيد من هذه القوالب الحجرية بحر ص شديد أيضاً وسرعان ما أصبح لدينا فتحة كبيرة لدرجة تسمح لشخص أن يمر خلالها . طلب الدكتور حافظ من أحد عمالنا ويدعى رامون أن يدخل المقبرة أولاً . رامون صغير الجسم إلى حد كبير ، فهو الشخص الوحيد من بين عمالنا الذى له جسم صغير يسمح له بالمرور من خلال الفتحة.

استعد رامون لدخول المقبرة . كان معه بطارية كشافة ضخمة وحبل طويل مربوط حول خصره . جذب الدكتور حافظ الحبل ليتأكد أنه وثيق . وقام بلف طرف الحبل حول جسمه .

قال الدكتور حافظ : " كن حذراً يا رامون . اذهب إلى أبعد ما تستطيع وأخبرنا بما ترى " .

انزلق رامون من خلال فتحة الحائط . ترك الدكتور حافظ الحبل يمر من بين يديه . راقبنا الحبل وانتظرنا . بدا وكأننا سننتظر لوقت طويل . لكن ربما لم تمر إلا دقيقتان حتى سمعنا صوت رامون عبر جهاز الإرسال والاستقبال اللاسلكى .

نادى : " مرحباً دكتور حافظ " .

صاح الدكتور حافظ : " نعم يا رامون . ماذا ترى ؟ " .

قال رامون : " أنا فى قاع الكهف . إنه فى الحقيقة عميق إلى حد بعيد . إننى أرى بعض العظام وبعض أجزاء من الأوانى الفخارية . لكن هذا هو كل ما أراه الآن " .

سأل الدكتور حافظ : " هل هى عظام حيوانات أم عظام بشرية؟"

قال رامون : " عظام بشرية " .

قال الدكتور حافظ : " حسن . سوف ننزل سلماً ألآن ويستطيع رامون أن يثبته بشكل آمن " .

قام اثنان من العمال بإنزال سلم طويل . عندئذ بدأ الظلام يحل مبكراً بالقرب من خط الاستواء. وبعد خروج رامون أمر الدكتور حافظ بإغلاق فتحة الحائط مرة أخرى .

قال : " لا نستطيع أن نقوم بأى شئ آخر اليوم . سوف نجهز جميع معداتنا لنبدأ استكشاف المقبرة غداً . أحسنت يا رامون . أحسنتم جميعاً ".

هناك شئ واحد يقلقنى يا سميرة . من الواضح أن واحدة من علماء الآثار هنا لا تحبنى . أعتقد أنه لا يعجبها كونى مساعدة للدكتور حافظ وأننى مسئولة عن فريقها . سوف أضطر إلى التحدث معه .

على أى حال فسوف نبدأ فى استكشاف المقبرة وسوف أرسل لك بالبريد الإلكترونى مرة أخرى لأخبرك بما يحدث .

أختك

المحبة ليلى

الفصل الخامس (لقاء فى كوينكو )

عندما انتهيت من كتابة البريد الإلكتروني إلى سميرة بعد ظهر ذلك اليوم ، فكرت فيما كتبت . لم أكد أصدق . لقد اعتقد الدكتور حافظ أن قبراً ملكياً يوجد فى المدينة . يبدو الآن أنه كان على صواب . لم أصبر على الانتظار حتى نستكشف المقبرة. لكنى كنت قلقة أيضاً . كنت أشعر بالضيق لأن إيماليا كانت غير ودودة تجاهى بدرجة كبيرة . ذهبت لأبحث عن الدكتور حافظ .

كان يجلس امام جهاز الكمبيوتر النقال الخاص به . تساءلت ما إذا كان يرسل بريداً إلكترونياً إلى شخص ما أيضا .

سألت : " هل أنت مشغول يا دكتور حافظ ؟ "

" مرحبا يا ليلى . لا ، إننى أواجه بعض المشاكل فى جهاز الكمبيوتر . سوف أضطر إلى الدخول إلى مكتبنا فى كوينكو وأر إن كان بإمكانهم مساعدتى . هل تحبين أن تأتى معى ؟ " .

أصابنى الإحباط وسألت : " ألسنا ذاهبين لاستكشاف المقبرة ؟ " .

ضحك الدكتور حافظ . " بالطبع سنذهب . سوف نبدأ بعد غد . لكنى أريد أن أصلح جهاز الكمبيوتر الخاص بى بأسرع ما يمكن . أريد أيضا أن أقابل العاملين بمنظمة اليونسكو قبل أن يأتوا للتفتيش علينا . دائماً يوجد الكثير من الأشياء التى يجب القيام بها " .

قلت : " أنا أعرف . هناك شئ واحد أردت أن أتلقى النصح منك بشأنه يا دكتور حافظ " .

" وما ذلك الشئ ؟ " .

" إنها إيماليا . فهى غير ودودة معى بدرجة كبيرة " .

نظر إلى . " لماذا ؟ ما الأمر يا ليلى ؟ ألا تحبين إيماليا ؟ " .

" أنا لا أعتقد أنها تحبنى كثيراً" .

" دعك من هذا السخف يا ليلى . أنتما فى نفس السن تقريبا وكلاكما من علماء الآثار . يجب أن تكونا أصدقاء " .

" أنا أعلم ذلك . وأنت على صواب . ربما يكون السبب أننى مساعدتك أو ربما لأنها ضمن فريقى . فلم يكن هناك أحد مسئول حتى وصلت انا " .

" سوف تتآلفان معاً بشكل أفضل عندما تبدأين العمل معها كما ينبغى . إنها عالمة آثار جيدة . فهى تعرف الكثير عن هذه المقابر . لقد أنجزت الكثير من الأعمال الجيدة خلال هذه الحفريات . على أى حال أنت لم تجيبى عن سؤالى " .

أى سؤال ؟ " .

" هل ستأتين معى إلى كوينكو غداً ؟ يمكنك أن تتجولى لمشاهدة البلدة وقت انشغالى . هناك بعض المنازل والميادين الرائعة المصممة على الطراز الأسبانى فى الجزء القديم من البلدة " .

وهكذا فى الصباح التالى انطلقنا فى طريقنا عبر الطريق الترابى إلى كوينكو . كانت إيماليا تقود السيارة حيث أن الدكتور حافظ لم يكن يحب القيادة قط . وخاصة فى بلد أجنبى على حد قوله .

كان معظم ما فى البلدة حديثاً وبها المحلات والمطاعم المألوفة . ذهب الدكتور حافظ إلى مكتب المشروع ، ولكنى قررت أن أتجول بعيداً داخل الجزء القديم من البلدة . أخبرنى الدكتور عن اماكن أروع الكنائس والميادين . مشيت عبر شوارع صغيرة هادئة . كان الجو فى ذلك الوقت دافئاً . كان النساء يجلسن تحت أشعة الشمس . مرتدين قبعات وفساتين عديدة الألوان . جرى بعض الأطفال خلفى ضاحكين مصفقين . قلت فى نفسى : هؤلاء أهل إنكا المعاصرة . حكم أجدادهم إمبراطورية عظيمة . كم هو غريب أن أستكشف مقبرة أحد ملوكهم .

كان الجو حاراً عندئذ وكنت أشعر بالتعب بعض الشئ . وكنت لا ازال أشعر بقليل من الصداع . ربما كان ذلك يرجع إلى خليط من الإحساس بالتعب بعد رحلة طيران طويلة وتأثيرات الارتفاع عن سطح البحر . كنت فى حاجة إلى الجلوس وتناول مشروب بارد . ربما كان هناك مقهى على مقربة . كنت والدكتور حافظ قد اتفقنا أن نتقابل فى الثانية عشرة بفندق جراند . نظرت فى ساعتى . كانت الحادية عشرة والنصف . وكان لدى وقت كى أتناول مشروباً إن استطعت أن أجد مقهى.

وصلت إلى شارع أكبر . وهذا الشارع يفضى إلى ميدان كبير . كان هناك على الحائط لافتة مكتوب عليها " بلازا مايور " كما هو مكتوب على اللافتة . كان هناك بعض الناس يجلسون خارج المقهى يتناولون القهوة تحت أشعة الشمس . لكنى كنت أشعر بحرارة الجو وأردت منضدة بعيدة عن الشمس . نظرت إلى المناضد الموجودة فى الظل . كان هناك شخص أعرفه يجلس إلى احدى هذه المناضد . إنها إيماليا .

ترددت ، ثم فكرت فيما قاله الدكتور حافظ عن مصادقتها . فقد كان على صواب . كان من السخف ألا يعرف كل منا الآخر بصورة أفضل . قررت أن أذهب وأتحدث إليها . لكن عندئذ رأيت شيئاً جعلنى أتوقف عن الحركة تماماً .

كان هناك شخص يجلس إلى منضدة إيماليا . كان رجلاً وكان وجهه فى الظل . بدا وكأن شعره أشقر وكان مرتدياً قميصاً ، شامراً عن أكمامه . هل كان هو الرجل الذى قابلته فى الطائرة ؟ إن كان هو ، فأنا لا أريد أن يشاهدانى ، وإن كان هو لاندر فما الذى كان يفعله هنا ؟ رأيت إيماليا تهز رأسها . كانت تبدو قلقة بشأن شئ ما .

بينما وقفت فى أحد المداخل أراقبهم لاحظت بابلو وهو يعبر الميدان ويذهب فى اتجاه مكتب اليونسكو . عندئذ بدأت الساعة فى برج إحدى الكنائس تدق . نظرت إلى ساعتى . الثانية عشرة ظهراً . كنت سوف أتاخر على الاجتماع مع الدكتور حافظ . هل كان يساورنى الشك بلا سبب ؟ هل كان يساورنى الشك لأننى عرفت أن إيماليا لا تحبنى ؟ قررت أن أبلغ الدكتور حافظ عن رؤيتى لإيماليا وذلك الرجل معاً .

اتخذت طريقى إلى فندق جراند . كان الدكتور حافظ منتظراً فى الخارج . قال : " آه ها أنت . كنت أتساءل ماذا حدث ؟ " .

"بسرعة يا دكتور حافظ ! تعال معى . يجب أن أطلعك على شئ".

أرشدته طريق العودة خلال الشوارع الجانبية إلى الميدان .


قلت : "انظر" وأشرت إلى المنضدة التى كان تجلس إليها إيماليا والرجل . لكن فى هذه اللحظة كان شخصان آخران يجلسان المنضدة .

سأل الدكتور حافظ : " ما ألأمر ؟ " .

" إيماليا جوزمان ورجل شركة التعدين " .

" ماندر ؟ " .

" مارتن لاندر . أعتقد أنهما كانا يجلسان إلى هذه المنضدة كانا يتحدثان . هلى تذكر ما قلته لى عن لاندر ؟ كنت تظن أن ساعد بعضهم فى سرقة أشياء من الحفريات " .

" نعم . أنت على صواب . لكن هل أنت متأكدة أنه كان نفس الرجل ؟ إذا كان هو لاندر فأنا أتفق معك أن الأمر يكون غريباً بعض الشئ . ولكنى لا أستطيع أن أصدق أن تفعل إيماليا أى شئ خطأ . إننى أثق بها " .

قلت : " حسناً يا دكتور حافظ " . لم أدر كيف أفكر . كنت ما زلت أشعر بإحساس غريب بعض الشئ بسبب قلة الأكسجين فى مثل ذلك المكان شديد الارتفاع عن سطح البحر .

" لا أعتقد أنك يجب أن تكونى ميالة إلى الشك إلى هذا الحد البعيد يا ليلى . فالقلق يساورك فعلاً ، أليس كذلك ؟ فأنت لست مثل أختك سميرة . فهى لا تقلق بشأن أى شئ على الإطلاق . يجب أن تكونى مثلها أكثر من ذلك قليلاً . على أى حال حان وقت الغداء . إنى أعرف مطعماً صغيراً يطهى الطعام جيداً بطريقة عائلية . سوف نذهب إلى هناك " .

تكلم الدكتور حافظ مرة ثانية أثناء تناول الغداء : " انظرى . إننى أعرف أنك لا تحبين إيماليا كثيراً جداً . وربما هى لا تحبك لأنك مساعدتى أو لأنك مسئولة عن فريقها . سوف أتحدث معها عن ذلك . لكن بالفعل يجب أن تحاولى العمل معها ، فهى تعمل بكد وهى عضو جيد ضمن مجموعة الحفريات هذه " .

انتهينا من تناول الغداء ، ودفع الدكتور حافظ فاتورة الحساب .

قال الدكتور حافظ : " لقد أصلحت حاسبى الآلى وقابلت الأشخاص التابعين لمنظمة اليونسكو . فلنرجع إلى المعسكر . سوف نددخل المقبرة غداَ " .

لكنى كنت لا أزال أشعر بقلق . عندما رجعت إلى المعسكر أخرجت الكمبيوتر النقال الخاص بى وبدأت العمل فى الإنترنت .

استدعيت موقع المتحدة للتعدين على الشبكة . ظهرت قائمة بالأماكن التى كانوا يقومون فيها بالتعدين أو يقومون بالإعداد للتعدين . فحصت قائمة الدول ووجدت " بيرو" وهذا هو ما ظهر على الشاشة .

بيرو : انتهت عمليات المتحدة للتعدين عام 1999 . لا توجد أى خطط لإجراء مسح أو تعدين فى بيرو فى الوقت الحاضر .

نظرت إلى الشاشة . إننى كنت على صواب . كان مارتن لاندر يكذب عندما قال أنه يعمل لدى التعدين المتحدة ببيرو . فإن كان هو لاندر، فماذا كان يفعل هنا ؟ .

الفصل السادس ( داخل المقبرة )

فى اليوم التالى دخلت المقبرة مع الدكتور حافظ والآخرين . كنا جميعاً محبين للاستطلاع . قام رامون والعمال الآخرين بتوسيع فتحة الحائط أكثر مما كانت عليه . وقاموا بوضع سلم داخل الكهف . ليس من السهل النزول إلى أسفل على سلم فى الظلام . كنت أرتدى خوذة بها بطارية كشافة . عندما التفت برأسى سطع ضوء مصباح البطارية على الصخرة المواجهة لى . إلا أن البطارية الكشافة لم تساعدنى أن أجد مكاناً أضع فيه قدمى . شيئا فشيئاً وصلت إلى قاع الكهف . كان الجو بارداً وجافاً بالداخل . لم يدخل الهواء هناك سوى من خلال الفتحة التى فتحناها فى الحائط من فبل .

عندما وصلنا نحن الأربعة إلى أسفل عند قاع الكهف بدأنا ننظر فيما حولنا . كان رامون قد قال إنه قد رأى عظاماً بشرية . سرعان ما وجدناها بالقرب من وسط الكهف . كانت بعض هذه العظام مفقودة والبعض يغطيه التراب . إلا أنه كان من الواضح أنها عظام رجل .

كان على الأرض فى وضع الجلوس . كانت هناك بعض القطع الصغيرة من القماش التى أصبحت الآن باهتة اللون ، لكن ربما كانت ألوانها زاهية عندما دفنت هذه الجثة عن قرب . وفجأة ، شهقت شهيقاً مسموعاً . وكذا فعل الآخرون . كانت الجمجمة مكسورة وبها شق كبير من أحد جانبيها إلى الجنب الآخر .

قال الدكتور حافظ ببطء : " ربما تم قتله " . تكلم الدكتور حافظ بصوت هامس وكأنه لم يشأ أن يقلق مضجع الرجل المميت .

قال الدكتور حافظ : " هذا صحيح " .

قلت : " لكن من الممكن أن تكون الصخور الساقطة قد كسرت الجمجمة ، أليس كذلك ؟ " .

ابتسم الدكتور حافظ وقال : " أجل يا ليلى . هذا أيضاً ممكن . يجب أن نحتفظ فى ذاكرتنا بهذين الاحتمالين إلى أن نحصل على دليل يثبت أن أحدهما صحيح " .

سألت إيماليا : " إذن فهذا جثمان ملك من ملوك تشيمو ؟ "

" هذا احتمال . وربما يكون لأحد النبلاء أو لموظف هام . لكننا نحتاج أن نجد المزيد من الأدلة . إن استطعنا أن نجد قناعاً ذهبياً فسوف نتأكد من أنه كان ملكاً . إلا أن أول ما يجب أن نفعله هو أن نحدد تاريخ هذا القماش " .

فتح الدكتور حافظ حقيبة ظهره وأخرج منها الصندوق الأسود الذى كنت قد أحضرته أنا من القاهرة . لم أكن قد رأيت ما بداخله من قبل . كان بأحد جوانبه قرص مدمج وشاشة صغيرة . انحنى الدكتور حافظ ووضعه فوق القماش . عندما ضغط على أحد المفاتيح صدر صوت طنين منخفض وخرج من الصندوق شعاع ضوء أحمر .

سأل بابلو : " ما هذا الذى معك ؟ " .

" هذا ما أحضرته ليلى من القاهرة . إنها إحدى طرق تحديد تاريخ القماش . هذه الآلة تصدر شعاع ليزر ويظهر تاريخ القماش هنا على هذا القرص المدمج . إنه يستغرق بضع لحظات . آه ، أجل ها نحن ذا . حوالى 1400 " .

قال بابلو : " فى منتصف عهد الإنكا تماماً . حسن ، إن هذه لبداية طيبة " .

قضينا ما تبقى من ذلك الصباح نتفحص عن قرب تلك المنطقة المحيطة بالجثمان . كان عملاً بطيئاً . لقد علمت ما كنا نبحث عنه . فى عصر أهل الإنكا كان الناس يضعون أوعية بها طعام وماء داخل المقابر بالفعل أرى بعض القطع من الفخار التى ربما كانت صحناً . سوف يكون لزاماً أن نقوم بتجميع هذه الأجزاء ونرى ما إذا كانت تتوافق مع بعضها البعض . لكنهم عند دفن شخصية هامة كأحد الملوك ، كانوا يدفنون أشياء ثمينة معه . إذا استطعنا أن نجد بعض الأشياء الثمينة قد نستطيع أن نقول إن كان ملكاً .

ظللنا نعمل لبضعة أيام قبل أن نجد أى شئ مثير فعلاً .

كان العمل شاقاً . لم يوجد الكثير من الهواء داخل الكهف . وفى أثناء اليوم يصير الجو حاراً إلى حد بعيد . كان العمل مرهقاً . استخدمنا أدوات المسطرين الصغيرة لإزاحة التراب من حول العظام . ثم استخدمنا الفرش الصغيرة لتنظيف الأحجار والطوب . كنا فى وضع انحناء على الأرض طوال اليوم . حصلنا على فترة راحة فى منتصف الصباح وفترة اخرى عند الظهر . وبعد مرور بضعة أيام مماثلة أصبحت مرهقة فعلاً وظهرى يؤلمنى . ذات صباح كنت جالسة خارج المقبرة أشرب بعض الماء . كانت الشمس ساطعة جداً وقمت بإغماض عينى . جاء شخص وجلس إلى جوارى .

" هل أنت بخير ؟ أنت تبدين مرهقة فعلاً " .

فتحت عينى . كانت إيماليا . وكانت تبدو قلقة تماماً .

" نعم . إننى متعبة قليلاً ولكنى بخير " .

" إنه لعلم شاق داخل المقبرة ، أليس كذلك ؟ ومع ذلك فأنا متأكدة أننا سنجد شيئاً محدداً قريباً ـ شيئاً يؤكد لنا ما إذا كانت مقبرة ملك أم لا " .

" هل تعتقدين أنه قد لا يكون قبرا ملكيا؟ "

هزت كتفيها : " أعرف أن الدكتور حافظ يأمل أن يكون قبراً ملكياً ، ولكن لن نعرف بالتأكيد إلى أن نجد شيئاً محدداً . إنه ليس أمامنا سوى وقت قصير قبل تفتيش اليونسكو . لذلك نحتاج بالفعل أن نجد شيئا محدداً وبسرعة " .

نظرت إليها وتساءلت فيم كانت تفكر . أردت أن أتحدث معها . لم تكن تشعر بالاطمئنان معى .

قلت : " هل تذكرين عندما كنا فى كوينكو منذ بضعة أيام ؟ " .

قالت : " نـعم " . لم يتغير تعبير وجهها .

واصلت قائلة : " كنت تتناولين مشروباً فى مقهى بالميدان الرئيسى . ظننت أننى أعرف الرجل الذى كنت تتحدثين معه . أعتقد أننى قابلته على متن الطائرة " .

قالت : " مارتن لاندر؟ يا لها من مصادفة . إن العالم مكان صغير . نعم فأنا أعرفه منذ سنوات . إنه يعمل لدى التعدين المتحدة " .

" هل هو مهتم بالآثار ؟ " .

قالت : " أوه . نعم " بعدئذ ظلت صامتة . من الواضح أنها لم تشأ أن تتكلم بعد ذلك .

لم أدر كيف أقلب ظنونى . من المؤكد أننى قلت الشئ غير المناسب . كنت أشع أن ذلك أمر صعب جداً .

استمر العمل . لقد تعودت عليه وعلى ارتفاع عن سطح البحر أكثر من ذى قبل . أظن أننى أصبحت أقوى وأكثر لياقة . بالتأكيد لم أشعر بتعب شديد . بعد ذلك جاء يومى الحاسم . أرسلت بريداً إلكترونياً إلى سميرة لأبلغها بالخبر .

مرحباً يا سميرة !

خمنى ما الأمر ؟ أختك الكبرى يكتب عنها فى الجرائد ! لقد وجدت شيئاً هاماً قد يثبت أن المقبرة التى نستكشفها مقبرة ملك من عصور إنكا . بالطبع يريد الدكتور حافظ المزيد من الأدلة ، ولكنها إشارة جيدة إلى حد ما . كان اليوم قد أوشك على الانتهاء حيث كنا نواصل العمل بكد حقاً . الجو حار والهواء فاسد فى المقبرة . وبحلول نهاية فترة ما بعد الظهر كنا نشعر بالحرارة والتعب الشديدين . حسن ، انتهينا من العمل ، وكنت قد بدأت لتوى فى جمع أدواتى لوضعها فى الحقيبة . معى مسطرين وفرشاة وبضعة أشياء أخرى أحتفظ بها فى حقيبة . التقطت الحقيبة لأضع ألأدوات بها . أزاحت الحقيبة بعض التراب الموجود تحتها . رأيت شيئاً لامعاً على الأرض . اخرجت فرشاتى مرة أخرى وأزحت المزيد من التراب .

كانت تشبه حجراً مستديراً صغيراً . إلا أن لونه كان أصفر باهتاً . أزحت المزيد من التراب . ظهرت رأس حيوان كانت صغيرة جداً ولكن كان بها وجه وأذنان وعينان . شعرت بإثارة شديدة . نظرت فيما حول . كان الآخرون جميعاً قد بدأوا فى مغادرة المقبرة .

قال الدكتور حافظ : " هيا يا ليلى . حان وقت التوقف عن العمل . لقد فعلت ما يكفى اليوم " .

" يا دكتور حافظ ، أعتقد أننى وجدت شيئاً " .

اندفع نحوى . وكذا فعل الآخرون . أطلعتهم على رأس الحيوان . بدأنا جميعا نزيح التراب عن التمثال . حفرنا حول التمثال ببطء وحرص شديدين . أخيراً أزحنا كل التراب بعيداً . رفعه الدكتور حافظ بكلتا يديه ونظر إليه . كان ضئيل الحجم ـ طوله حوالى خمسة سنتيمترات فقط ـ ولكنه حيوان من نوع غير معروف ، له رأس مربع وذيل سميك .

رفعه الدكتور حافظ نحو الضوء .

قال بصوت هامس : " إنه جميل" .

سألت : " ما هذا الحيوان ؟ " .

قال : " إنه حيوان اللاما . استخدم أهل إنكا حيوانات اللاما كاستخدامنا للإبل . لم يكونوا قد اخترعوا العجلة وقتئذ فكانوا يحملون كل شئ على ظهور حيوانات اللاما " .

قالت إيماليا : " يبدو وكأنه مصنوع من الذهب " .

أجاب الدكتورحافظ : " أجل ، أعتقد أنك على صواب " .

أدار التمثال فى يديه .لم يستطع أن يتوقف عن النظر إليه .

" هل يعنى ذلك أن هذه المقبرة مقبرة ملك ؟ " .

توقف الدكتور حافظ قليلاً وقال : " إن ذلك يعنى أنها مقبرة شخص هام . فقد كانوا يتركون تماثيل من الذهب فى مقابر الملوك والنبلاء فقط . هذه اللاما الذهبية تزيد من احتمال أن تكون هذه مقبرة ملكية ، إلا أنها لا تثبت ذلك " .

قالت إيماليا : " نحتاج أن نجد قناعاً ذهبياً حتى نتأكد مئة بالمئة " .

قال الدكتور حافظ : " أجل ، أنت على صواب . بالطبع نحتاج أن نجد قناعاً ذهبياً لكى نتأكد أنها مقبرة ملك . إلا أن هذا فى حد ذاته يعتبر اكتشافاً عظيماً . أحسنت يا ليلى !".

كذلك قام الآخرون جميعاً بتهنئتى . أخذت اللاما الصغيرة فى يدى . كانت جميلة . تصورى أنها كانت توجد هناك منذ أكثر من خمسمائة سنة ! .

أصر الدكتور حافظ أن يلتقط صورة لى وأنا أحمل اللاما الذهبية . إن لديه كاميرا رقمية . لهذا سأرفق الصورة مع هذا البريد الإلكترونى حتى تعرضيها على كل العائلة .

إن الوقت متأخر الآن . حان وقت النوم . وداعاً مؤقتاً .

أختك المحبة

ليلى

كتبت رسالة البريد الإلكترونى فى المكتب وأرفقت بها الصورة الرقمية . كان الدكتور حافظ والآخرون قد ذهبوا إلى كوينكو . كان بابلو ألأفاريز يشعر بإثارة شديدة بشأن اللاما الذهبية ، وأراد أن يبلغ مكتبه عنها . قررت أنا أن أبقى بالموقع . قلت لنفسى : من المحتمل أن أذهب إلى البلدة فيما بعد . أردت أن أبلغ سميرة باكتشافى . وعندما انتهيت من كتابة البريد الإلكترونى لم أعد أشعر بالتعب . حزنت لأننى لم أذهب مع الآخرين إلى كوينكو . فقد قال الدكتور حافظ إنه سوف يدعوهم جميعاً للغداء فى احسن مطاعم البلدة . تساءلت عما إذا كان من الواجب أن أتصل به بالتليفون المحول الخاص بى وأبلغه أننى سأذهب معهم برغم كل شئ . التقطت التليفون ثم وضعته مرة أخرى فى مكانه . مددت ذراعى وتثاءبت . كنت احتاج إلى بعض الهواء النقى .

أغلقت جهاز الكمبيوتر النقال الخاص بى . فتحت باب المكتب وخطوت إلى الخارج . كان الهواء بارداً ونقياً . نظرت إلى أعلى تجاه السماء . كانت مليئة بالنجوم . ففى هواء الجبل الصافى كانت النجوم تبدو ساطعة حقا . إلا أن هذا هو نصف الكرة الأرضية الجنوبي فلم أتعرف على النجوم المألوفة التى عرفتها فى مصر . نظرت فى اتجاه الكهف الذى وجدت فيه اللاما ، شعرت بالسرور . كان الدكتور حافظ يشعر بالقلق بأن يكون قد أخطأ بشأن المقبرة . لكنه الآن قد حدد تاريخ القماش ووجدنا اللاما الذهبية . لقد كان يراعى الحرص ولكنى أعتقد أنه متأكد إلى حد ما أننا اكتشفنا مقبرة ملكية .

مددت ذراعى مرة ثانية . قررت أن أمشى إلى المقبرة . فقط أردت أن أكون هناك . كان المدخل قد أغلق . فدائماً كان يغلق فى نهاية أعمال الحفر اليومية . كان العمال قد وضعوا باباً خشبياً بسيطاً على الفتحة الموجودة فى الحائط . لكن عندما نظرت مرة أخرى رأيت أن الباب لم يكن مغلقا بالكامل . لقد تم تركه مفتوحاً بدرجة طفيفة .

ظننت أن هذا إهمال . تساءلت من يكون قد فعل ذلك . مشيت إلى أن وصلت إلى الباب وما كدت أن أغلقه حتى لاحظت شيئاً آخر . كان هناك ضوء يأتى من داخل المقبرة . لم يكن ضوءاً ساطعاً جداً ، ولكن مما لا ريب فيه أنه مصباح . هل ترك أحد بطاريته الكشافة دخل المقبرة ؟

بدأ قلبى يخفق بسرعة أكثر . شعرت بالخوف . لكن كان لزاماً على أن أكتشف ماذا يجرى . كان حب الاستطلاع لدى أكبر من مخاوفى . هل هناك أحد داخل المقبرة ؟ إذا كان هناك أحد فمن يكون ؟ وماذا يفعل هناك ؟ تسللت إلى المدخل وفتحته أكثر قليلاً . نظرت إلى أسفل الكهف . كان السلم لا يزال فى موضعه . وفى الأسفل على أرضية الكهف كان هناك رجل جاث . وكان بجواره مصباح صغير على الأرض. كان هذا هو الضوء الذى رأيته من قبل . كان ظهر الرجل نحوى . لكننى خمنت من يكون هو قبل أن أتمكن من رؤية وجهه .

الفصل السابع ( محتجزة )

فى البداية لم أستطع أن أرى ما كان يفعله . لكن عينى اعتادتا على الضوء فرأيت أنه كان منحنيا فوق أرضية الكهف بالقرب من المكان الذى وجدنا فيه الهيكل العظمى للملك . كان يستعمل المسطرين الصغير ليكشط التراب عن شئ ما على الأرض .

كنت غاضبة لوجود شخص ما فى المقبرة ليلاً . جعلنى الغضب أنسى خوفى . بدأت النزول على السلم داخل الكهف بحرص وهدوء شديدين . وصلت أسفل السلم . كان قلبى يدق بسرعة فائقة . لم أكن متأكدة مما يجب أن أفعله بعد ذلك . فجأة أدركت أن من المحتمل ألا أتمكن من صعود السلم بنفس الهدوء الذى نزلت به . كنت عندئذ خائفة بشدة . لماذا دخلت إلى الكهف بدلاً من أن أطلب المساعدة ؟ كان على أن أختبئ . كان الرجل على مسافة قريبة منى . كان لا يزال مشغولا ولم يسمعنى أو يرنى . اختبأت خلف صخرة كبيرة . بعد ذلك توقف الرجل عما كان يفعل ونهض واقفاً . ربما يكون قد شعر فجأة أنه ليس بمفرده . قام بتوجيه بطاريته الكشافة فى اتجاهات مختلفة . لحسن الحظ كنت مختبأة بشكل جيد . التف وجاء فى اتجاهى . كان قلبى يدق بسرعة . ظننت أنه سيجدنى . توقف . ساد الصمت للحظة . إلا أن الرجل كان فى عجلة من أمره على ما يبدو . التفت مرة أخرى وعاد إلى عمله . سمعت كشط أداة لحفر الصغيرة . انتظرت لمدة دقيقة تقريباً ثم نظرت حول الصخرة . كان ظهر الرجل قد استدار تجاهى .

لم أتمكن من رؤية ما يفعله من مخبأى . أردت أن أقترب قليلاً .

لم أكد أن أبدأ فى التحرك من خلف الصخرة حتى التفت حوله مرة أخرى ، وفى هذه المرة رآنى .

لقد كان هو مارتن لاندر .

سأل بصوت عنيف : " ماذا تفعلين هنا ؟ " .

فى البداية لم أتمكن من الكلام . كنت أرتعش من الخوف .

لم أقل وماذا تفعل أنت هنا ؟ ". وبدلا ن ذلك قلت : " أنا ـ أنا رأيت ضوءاً . اعتقدت أن هناك شخصاً فى الكهف . فجئت لأرى ما يحدث " .

" ها نحن نتقابل مرة أخرى يا آنسة القصبى " .

لم أدر مأ اقول فى البداية . أخيراً استطعت أن أتكلم .

قلت : " إذن فأنت لست مهندس تعدين . أنت هنا فقط لتسرق الأشياء التى وجدها الآخرون . أنت لص " .

ابتسم لاندر : " أنت على صواب إلى حد ما . كنت مهندس تعدين . لكنى أصبحت مهتماً أكثر بأشياء أخرى . يمكنك أن تطلقى على لقب لص إن أردت . لكنى فى الواقع هاو لجمع المقتنيات أكثر من كونى لصا . إننى أقدر الأشياء الرائعة . وسوف أكون سعيداً بإضافتها إلى مجموعتى".

قلت : " لا يمكنك . هذا خطأ . أنت تسرق بذلك . إن هذه الحفريات هامة بالنسبة لبيرو وبالنسبة للعالم . إن كل ما نجده هنا يجب أن يوضع فى متحف حتى يتمكن الناس من مشاهدته " .

أجاب : " قد تكونين على صواب . ولكنى متأكد أنك سوف تجدين المزيد من الأشياء بوفرة . لن يؤثر عليكم إذا فقدتم عدداً قليلاً من المصنوعات وإن كانت ثمينة . أنا حزين جداً لأننى لم أجد قناعاً ذهبياً .

فالأقنعة الذهبية نادرة للغاية وثمينة جداً أنا متأكد أنه يوجد قناع ذهبى هنا . على أى حال يا آنسة القصبى لا أستطيع أن أضيع الوقت قى التحدث معك . لقد قاطعت عملى ، لكن لا يهم . يجب أن أذهب الآن . وأنت بالطبع سوف تبقين هنا . لا تحاولى أن تتبعينى . أتمنى أن تقضى ليلة سعيدة فى صحبة ملك عظيم . والآن ، وداعاً " .

التفت وصعد السلم بسرعة . وفى دقيقة واحدة كان قد سحب السلم إلى أعلى خلفه وأغلق الباب الخشبى ورحل . عرفت أنه لم يكن هناك ما أستطيع أن أفعله . لم أحاول أن أتبعه . لما أحاول أن أصرخ ، فلن يسمعنى أحد . كنت خائفة جدا لدرجة أننى سقطت على الأرض حيث استلقيت لبعض الوقت . سمعت صوتا بعيدا لمحرك سيارة يدور وصوت السيارة وهى تنطلق بعيدا . كنت فى ظلام تام . ولم يكن هذا شعورا طيبا . لم يوجد أى ضوء أو أى صوت . وكان الجو باردا . مر الوقت . كنت متعبة جدا ...

وعندئذ رأيت هيكلا عظيما مرتديا ملابس ملك قادما تجاهى . كان الهيكل محمولا على محفة بواسطة أربعة رجال . كانوا يشبهون الجنود . ويوجد هيكل آخر خلف هذا الهيكل وثالث خلف الثانى . اقتربت الهياكل أكثر فأكثر . كنت محاطة من جميع الجوانب بهياكل عظمية لملوك موتى . أشاروا نحوى فرفع الجنود سيوفهم وكانوا على وشك أن يهاجمونى . فجأة استيقظت وأنا أصرخ : " لا ! لا ! " .

بعد ذلك لم أستطع أن أخلد للنوم مرة أخرى . ازداد شعورى بالبرد أكثر فأكثر . بدت الليلة وكأنها بلا نهاية . كم سيستغرق من الوقت حتى يأتى أحد إلى الكهف ويعثر علىّ ؟ .

* * *

سمعت ضجة تأتى من فوقى على ارتفاع بعيد وكان أحدهم يفتح باب الكهف الخشبى .

ناديت : " أنا هنا فى الأسفل " .

" ليلى ، هل أنت بخير ؟ ماذا حدث ؟ " كان هذا صوت الدكتور حافظ . نزل السلم ، وهبط عليه إلى أسفل الدكتور حافظ ورامون إلى داخل الكهف .

قلت : " أوه ، دكتور حافظ . أنا مسرورة جدا لوجودك هنا " . واخبرته بما قد حدث .

قال الدكتور حافظ : " إذن فقد كان لاندر ، أليس كذلك ؟ ولكن كيف وجد هذا المكان بهذه السهولة ؟ " .

قال رامون : " من المؤكد أنه سأل فى كوزكو أو فى كوينكو . فالناس يعلمون عن عملنا " .

كوينكو ! هذا هو ما حدث . لقد كان لاندر هو الذى يتحدث إلى ونظرت إليه . راودنا نفس التفكير .

قال الدكتور حافظ ببطء : " ليس من الممكن أن تكون إيماليا . فهى لا يمكن أن تفعل شيئا مثل ذلك " .

" لكنى رأيتها فى كوينكو تتحدث إليه . أخبرتنى بأنه هو لاندر .

قال الدكتور حافظ : " يحتمل أنه كان لاندر . لكن ذلك لا يعنى أنها أخبرته عن حفرياتنا . ربما تكون قد قالت شيئا بغير حرص . من السهل جدا التحدث بغير حرص " .

تذكرت ما قلته للاندر فى الطائرة . لقد كنت غير حريصة. ربما كنت أنا المسئولة عن اكتشافه للكهف .

قال الدكتور حافظ :" سوف اتحث إلى إيماليا الآن . يجب أن نكشف الحقيقة ، ويجب أن نعثر على لاندر والمصنوعات الآثرية التى أخذها من الكهف . سوف يتعين علىّ أن أذهب إلى الشرطة . أوه ، إن مثل ذلك هذه الأمور تصبح صعبة جدا عندما لا تكونين فى بلدك " .

ساعدنى الدكتور حافظ فى صعود السلم . شعرت بتحسن عندما وصلت إلى أعلى . كان النهار فى الخارج مشرقا ومشمسا ، وكان يبدو وكأنه يوم طبيعى .

قال الدكتور حافظ : " تعالى لتتناولى مشروبا ساخنا . لابد أنك متعبة جدا ".

ذهبنا إلى كوخ وجلست فيه . أحضر أحدهم لى فنجانا من القهوة الساخنة . استرحت لبعض الوقت . كنت لا أزال مذكورة من كل ما حدث .

بعد ذلك وصل رجال الشرطة ، وكان هناك كثير من الصخب والمناقشة . لم أفهم ما كانوا يقولون . بعدئذ أرادوا أن يوجهوا لى الأسئلة . كانوا لا يتحدثون سوى الأسبانية ، فتولى رامون ترجمة أسئلتهم .

بعد فترة من الوقت انصرف رجال الشرطة . قال رامون : " إنهم يعتقدون أن لاندر قد يكون خارج البلاد . سوف يتصلون بإدراة الجوازات فى المطار . لكنهم يعتقدون أنه قد يكون فات أوان ذلك . وعلى أى حال فهم يعتقدون أن لاندر سوف يتحمل اسما وجواز سفر مزيفين . لن يكون من السهل القبض عليه " .

استرحت فى ذلك اليوم . لم أكن لأقدر على مواجهة النزول داخل الكهف مرة أخرى . جاء الدكتور حافظ لرؤيتى فى وقت متأخر من اليوم على غير المتوقع . أخبرنى عن مقابلته مع إيماليا .

" هى تقول إنها تعرف لاندر منذ فترة طويلة . إن لديه العديد من مصادر المعلومات فى بيرو ، فقد ساعدها فى الحصول على أول عمل لها فى مجال الآثار . قالت إن لاندر كان يعرف والدها . كان هذا غريبا . بدت وكأنها حزينة بشأن شىء ما . كان هناك شىء لا ترغب فى التحدث عنه . لكنها تقول أنها لم تتحدث معه عن عملها هنا . أعتقد أننى أصدقها . إننى لا أصدق أن تكون قد أخبرت لاندر بأى شىء ".

بدأ العمل مرة أخرى فى اليوم التالى . لم يعرف أحد ما سرقه مارتن لاندر من الكهف . يحتمل أنه كان يعمل فى الكهف لعدة ساعات قبل أن أجده . تساءلنا عما إذا كنا سوف نعثر على المزيد من المصنوعات الأثرية .

عندئذ وقبيل نهاية اليوم اصطدم المسطرين الذى استخدمه فجأة بشىء صلب ، شىء معدنى . ناديت : " تعال إلى هنا يا رامون . هل يمكنك أن تساعدنى . أعتقد أننى وجدت شيئا مشوقا " .

ساعدنى رامون فى الحفر بحرص حول ذلك الشىء وإخراجه من الأرض . كان قناعا مصنوعا من الذهب . وقفنا ونادينا على الآخرين . أضاء الدكتور حافظ بطاريته الكشافة على القناع فلمع لونه الذهبى الجميل . أعلن بقوة قائلا : " إنه قناع ملك . إنه يشبه وجه الشمس . انظرى إلى أشعة الشمس . ما أروعه " .

كان الجميع سعداء جدا بعد كل ما حدث فى اليوم السابق . الآن عرفنا أنه كان قبرا ملكيا بالتأكيد . لقد حققنا اكتشافنا عظيما . توقفنا عن العمل وأخذنا القناع الذهبى بحرص لنريه لبابلو . كان مسرورا وقال : " سوف أضعه فى الخزانة . نحن لا نريد زيارة أخرى من لاندر " .

فى الصباح التالى عندما وصلت إلى الموقع وجدت سيارات الشرطة مرة أخرى . تساءلت لماذا عادوا مرة ثانية .

سرعان ما اكتشفت السبب . لم يعد القناع الذهبى موجودا فى الخزانة .

الفصل الثامن ( الخزانة فارغة )


كان رجال الشرطة يقتحمون الخزانة . كان الباب المعدنى السميك مفتوحا ولكن القفل لم يكن مكسورا . كان أحد رجال الشرطة يضع نوعا خاصا من المساحيق على الخزانة .

أوضح ذلك الدكتور حافظ قائلا : " شخص ما فتح باب الخزانة مستخدما مفتاحا . وربما يكون اللص قد دخل إلى الكوخ من خلال ذلك الشباك . أخشى أنه كان مفتوحا " .

سألت : " ولكن كيف يستطيع أى أحد أن يحصل على المفتاح ؟ هل تحدثت مع بابلو ؟ " .

أجاب الدكتور حافظ :" ليس بعد . فهو اليوم فى كوينكو حيث يجتمع مع موظفى اليونسكو سعداء عندما يسمعون بذلك " .

تقدم رئيس الشرطة نحو الدكتور حافظ وذهبا إلى الخارج . كانا يتحدثان بأصوات منخفضة . بعد بضع دقائق رجعا . تحدث الدكتور حافظ إلى الجميع .

قال : " أنا آسف لأن رجال الشرطة يريدون أن يحصلوا على بصمات أصابعنا جميعا . إنهم يريدون أن يعرفوا صاحب بصمات الأصابع الموجودة على الخزانة . وهم يريدون أن يفتشوا حاجيات الأصابع ".

كان لكل فرد مكان يضع فيه ملابس العمل ليلا وملابسه العادية أثناء النهار .

انتظرنا . لم يتحدث أحد . كان الجو مشوبا بشعور بالشك . لم يشعر أحد بالاطمئنان . بعد مرور بعض الوقت رأيت رئيس الشرطة يذهب إلى الدكتور حافظ ويتحدث معه بهدوء . نظر الدكتور حافظ إلى أعلى فجأة فى اتجاهى . كان وجهه شاحبا وبدت عيناه غريبتين . تقدم نحوى .

قال بصوت منخفض : " يريد رئيس الشرطة أن يتحدث إليك . تعالى إلى مكتبى " .

كنت مندهشة . ظننت أنهم كانوا قد وجهوا إلىّ أسئلة كافية فى اليوم السابق .

دخلنا إلى كوخ الدكتور حافظ وأغلق الباب .

قال : " يا ليلى . إننى مندهش ومتضايق جدا . لم يجد رجال الشرطة القناع الذهبى ولكنه وجدوا هذا بين ملابس العمل الخاصة بك " .

فتح رجل الشرطة يده . كان بها أرنب ذهبى صغير .

قلت : " أنا لم أسرق هذا . إننى لم أره من قبل " .

" لكنه كان بين أغراضك " .

صرخت : " أنا لم أسرقه . أنا لم أسرقه " . كنت أرتعش . كيف يمكن أن يحدث هذا لى ؟

قال الدكتور حافظ : " إننى أصدقك يا ليلى . ولكن للأسف سوف تضطرين للذهاب مع الشرطة الآن . سوف يتعين علىّ أن أكتشف من فعل هذا . من المؤكد أنه ليس لاندر . من المؤكد أن شخصا آخر فعلها . شخص لا يحبك . شخص يريد اعتبارك مسئولة عن سرقة القناع الذهب"

أخذونى فى سيارة الشرطة إلى قسم الشرطة المحلى . لم أكن قد دخلت قسم شرطة من قبل فى حياتى . لم تكن هذه تجربة سارة . كنت فى بلد بعيد عن موطنى ولا أتكلم لغتهم . على الأقل كانوا يعاملوننى باحترام إلا أنهم وضعونى فى زنزانة الشرطة وأوصدوا الباب وتركونى . فى هذه اللحظة انفجرت فى البكاء . لماذا أتيت إلى هذا البلد ؟ ولماذا حدث لى ذلك ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ أسئلة كثيرة جداً وإجابات قليلة جداً.

فى وقت متأخر من ذلك اليوم سمعت ضجيجاً . نهضت ونظرت عبر قضبان زنزانتى بالسجن . كان هناك شرطى قادم ومعه شخص . لقد كانت إيماليا .

فتح الشرطى باب الزنزانة ثم تركنا . تحدثت إيماليا أولاً .

" أوه ، ليلى . أنا آسفة لما حدث . يجب أن تسامحينى " .

سألت فى دهشة : " أسامحك على ماذا ؟ " .

قالت إيماليا : " سامحينى لأن خطأى هو سبب وجودك هنا . كنت غاضبة جداً عندما جعلك الدكتور حافظ مسئولة عن فريق التنقيب . أردت أن أكون أنا المسئولة . وعندما اكتشفت أنت القناع الذهبى لم أستطع أن أتحمل أكثر من ذلك . فسوف تنالين التقدير . وسوف يظهر اسمك فى جميع الصحف وفى التليفزيون . بالصدفة بعد عثورك على القناع الذهبى وجدت أنا الأرنب الذهبى الصغير . لم أبلغ أحداً واحتفظت به سراً . وضعته بين ملابس العمل الخاصة بك لكى أسبب لك المتاعب . لم أكن أتوقع أنهم سوف يودعونك السجن . لقد كان تصرفاً ينم عن الغباء . لكنك عندما تكونين غاضبة وتشعرين بالغيرة فإنك لا تفكرين . أوه ، أرجوك سامحينى " .

قلت بهدوء : " أفهم ذلك يا إيماليا " .

قالت إيماليا : " لقد شرحت كل شئ للشرطة . أنت حرة . إن معى سيارة بالخارج " .

غادرنا قسم الشرطة . ركبنا السيارة وانطلقت بها إيماليا .

قلت : " إيماليا . هل لديك أى فكرة من سرق القناع الذهبى ؟ " .

أجابت : " لا . ولكن عندى فكرة عن المكان الذى يحتمل أن يوجد فيه مارتن لاندر . وقد تكون هناك صلة بين الاثنين . إننى أشعر يقيناً أنهم متصلين . عندما قابلته فى كوينكو قال لى أنه حريص جداً على الذهاب إلى أكومايو . هناك حفريات أخرى تجرى هناك . يحتمل أنك لم تعلمى بهذا " .

قالت : " لا ، لم أعلم " .

قالت إيماليا : " مشكلة هذه الدولة هى شبكة الطرق . فالطرق سيئة . ومن الممكن أن يستغرق الوصول إلى بعض الأماكن أياما إذا كان الجو سيئاً " .

سألت : " كم يستغرق الوصول إلى أكومايو ؟ " .

أجابت إيماليا : " خمس ساعات إذا لم تحدث أى انهيارات أرضية".

" هل سنتصل بالدكتور حافظ ؟ ".

قالت إيمايل : نعم . سوف أتصل به بتليفونى المحمول " .

طلبت الرقم . قالت : " أوه ، مرحبا يا دكتور حافظ . أنا إيماليا إننى مع ليلى ... نعم لقد أطلقوا سراحها ... سوف أشرح لك كل شئ فيما بعد . نعتقد أننا نعلم أين ذهب لاندر . نعتقد أنه سوف يكون فى موقع الحفريات بالقرب من أكومايو . قد يكون لدينا وقت بالكاد للحاق به ... " .

********

بدأنا الرحلة فى اتجاه أكومايو . كان الطريق ضيقاً ، وكلما صعدنا إلى أعلى فى الجبال صار الجو سيئاً . سرعان ما بدا وكأننا فى ضباب ، ولكنى أدركت فجأة ن،ه سحاب . كنا على ارتفاع شديد جداً لدرجة أننا كنا مسافرين عبر السحاب . كانت قيادة السيارة صعبة وخطرة . فعلى أحد الجانبين كان هناك جرف صخرى منحدر إلى أسفل لمئات ومئات من الأمتار . وعلى الجانب الآخر يوجد طرف الجبل . عندما نزل المطر سقطت الصخور من طرف الجبل على الطريق . كانت إيماليا سائقة ماهرة . قادت السيارة بأسرع ما يمكن . إلا أن ذلك لم يكن سريعاً جداً فى مثل هذه الظروف الجوية . من وقت لآخر كنا نرى فجأة شاة أو معزة تظهر أمامنا من بين السحاب مثل الشبح . أخيراً خرجنا من السحاب . وأصبحنا فوقه . كل ما استطعنا رؤيته هو قمم الجبال وهى تبرز مثل الجزر فى بحر من السحب . شعرنا وكأننا داخل طائرة .

الفصل التاسع (مسألة حياة أو موت )


فجأة أصبحنا داخل سحاب كثيف مرة أخرى . حدث كل ذلك بسرعة كبيرة . ربما فقدت إيماليا شيئاً من تركيزها . أو ربما كان السبب أن الطريق تغير اتجاهه بشكل ملحوظ . بدأت السيارة تنقلب على أحد جوانبها وتتدحرج فوق الحافة . كان هناك صوت تحطم هائل ، وهبطنا إلى أسفل .... وفجأة أصبح كل شئ مظلماً .

استيقظت وكانت السحب قد انقشعت ، ويمكن رؤية الطريق وأودية الجبل . كنت أشعر بألم فى ساقى وذراعى وكان الدم على وجهى من أثر جرح ، ولكنى لم أعتقد أنه حدث بى أى كسور . كنا لا نزال داخل السيارة . وكانت رأساً على عقب فوق جزء ناتئ من الجبل . نظرت حولى .انتابنى شعور غريب وأصاب رأسى الصداع . لم تتحرك إيماليا . لم أكن متأكدة إن كانت ميتة أم لا .

قلت : " إيماليا " .

لم تجبنى .

قلت مرة ثانية : " إيماليا " . فى هذه المرة رأيتها تتنفس . وضعت سترتى فوقها وأمسكت بيدها .

بعد لحظات قليلة فتحت عينيها .

قالت بصوت ضعيف : " ماذا حدث ؟ " .

قلت : " لقد وقع لنا حادث . يجب أن نطلب مساعدة " .

قالت : " لا أستطيع التحرك . من المؤكد أن بى كسراً . ساقى . إنها تؤلمنى فعلاً " .

كنت قد تدربت على الاسعافات الأولية . كنت أعرف كيفية عمل الجبيرة . كان من الضرورى أن أجعلها مرتاحة أولاً قبل محاولة إحضار المساعدة . كان على أن أفعل شيئا ـ وبسرعة . على مثل هذا الارتفاع يمكن أن تموت بسرعة بسبب البرد إذا كانت مصابة على نحو خطير .

كان صعباً للغاية أن اخرجها من السيارة . كانت تشعر بألم شديد لدرجة لا يمكن تحملها تقريباً . أخيراً أخرجتها من السيارة وأرقدتها على الأرض . كان معنا بطانيتان فى السيارة . وضعت واحدة منهما تحتها وواحدة فوقها . ثم قمت بعمل جبيرة لها . كانت شجاعة جداً . كانت تتحلى بصلابة أهل إنكا القدماء .

بعد ذلك بحثت عن التليفون المحمول . فى البداية لم أتمكن من العثور عليه ، ولكن بعدها رأيته على الأرض خارج السيارة . فتحت الجهاز لتشغيله فلم يعمل لأنه كان مكسوراً .

قلت : " أوه . لا ! " .

قالت إيماليا : " ليلى ، يجب أن تنقذى نفسك . اتركينى هنا . حاولى أن تحضرى مساعدة ، ولكن ربما يكون قد فات الأوان . هناك عدد قليل جداً من الناس فى الجبال . قد يستغرق الأمر أياماً قبل أن يعثر علينا أحد . لكنك يجب أن تحاولى " .

كان من الواضح لى أنها كانت ضعيفة .

قلت : " إيماليا . سوف أذهب لأحضر مساعدة . لا تقلقى " .

" ليلى ، قبل أن تذهبى . يجب أن أخبرك عن مارتن ، فى حالة ما إذا عدت إلى بعد فوات ألأوان . أريدك أن تعرفى عنه . عندما رأيتينى فى كوينكو أتحدث إليه ربما اعتقدت أننى كنت أعمل معه " .

قلت : " هذا صحيح . أنا اعتقدت ذلك بالفعل " .

قالت : " حسناً . هذا ليس صحيح . فكما تعرفين أنه كان يعمل مهندس تعدين . كان يعمل مع والدى. أقنع والدى أن يدفع بعض المال من أجل منجم فضة قال مارتن إنه عثر عليه . لكن هذا لم يكن صحيحاً . لم يكن هناك منجم . وخسر والدى كل ماله . حينئذ كنا فقراء حقاً . كان الوضع صعباً جداً . وكل ذلك بسببه . ثم كان ذلك اليوم فى كوينكو حيث رأيته فى الميدان . أعتقد أنه كان ينتظر أحداً . ذهبت لأتحدث معه لأننى كنت مازلت غاضبة بشأن ما فعل بوالدى " .

قلت : " أوه إيماليا . ما أفظع ذلك " .

" هذا هو سبب رغبتى فى أن أحضر معك لنحاول الإمساك به . عندما علمت أن الشرطة قد قبضت عليك أدركت أننى قد أخطأت . وأدركت ما هو واجبى " .

قلت : " إيماليا . أنا فهمت . وإننى لآسفة للغاية لأننى ظننت بك السوء . أعدك أن أفعل كل ما أستطيع للإمساك بهذا الرجل . وسأذهب لإحضار المساعدة الآن " .

" ليلى ، إذا وجدت أحداً يجب أن تقولى ( أيودا مى رونتو ، بور فافور ) بمعنى ( من فضلك ساعدنى ـ بسرعة ) . اذهبى فى اتجاه أكومايو . قد تصلين إلى قرية على الطريق " .

تسلقت جانب الجزء البارد من الجبل ووصلت إلى الطريق .

مشيت فى اتجاه أكومايو مثلما قالت لى إيماليا . بدا لى أننى مشيت لفترة طويلة لكن فيما بعد أدركت أن المسافة لم تكن بعيدة . كان كل جسمى يؤلمنى من أثر ارتطام السيارة ولم أستطع المشى بسرعة . أخيراً وصلت إلى عدد قليل من المنازل الفقيرة . رأيت امراة تعمل خارج أحد المنازل . قلت ( أيودا مى برونتو بور فافور ) نظرت إلى باستغراب . لم يبد أنها تفهمنى . علمت بعد ذلك أن العديد من الناس فى الجبال يتحدثون الكويتشووا فقط وهى لغة أهل إنكا ، ولا يتحدثون الأسبانية . دخلت المرأة إلى المنزل وخرج رجل . كررت قولى ( أيودا مى برونتو بور فافور ) . أومأ الرجل برأسه . أشرت فى اتجاه السيارة . استخدمت يدى لعمل إشارات تصور سيارة تنقلب على جانب الجبل . بعد ذلك قمت بعمل المزيد من الإشارات التي تبين إصابة شخص . أومأ الرجل مرة اخرى . عاد إلى داخل المنزل . عندما خرج مرة أخرى كان يحمل قطعتي طويلتين من الخشب وبينهما قماش سميك . ظهرت امرأة أخرى وانطلقنا نحن الأربعة فى اتجاه السيارة .

عندما رجعنا إلى السيارة كانت السماء تمطر . كانت إيماليا تبدو شاحبة جداً ولم ترد علينا فى البداية . وأخيراً فتحت عينيها قليلاً . قلت : " لقد وجدت بعض المساعدة . هؤلاء الناس سوف يساعدوننا " .

وضعنا إيماليا على السرير الذى كان يشبه المحفة التى رأيتها فى حلمى المزعج بالكهف . حملناها ببطء وبصعوبة شديدة إلى الطريق . اندهشت لمدى قوة ذلك الرجل والمرأتين .

فى النهاية وصلنا إلى المنازل . أخذوا إيماليا إلى الداخل وأعطوها مشروباً ساخناً وبعض أوراق النبات لتمضغها .

قال الرجل : " بوينو " .

كنت غير متأكدة . كنت قلقة جداً على إيماليا .

****

تلك الليلة نمت فى سرير خشن بجوار إيماليا . كانت تصرخ من الألم كثيراً وكان من شبه المستحيل أن أنام . فى الصباح أحضرت النساء لى نوعاً من الشاى المر وبعض الخبز . واستمروا فى إعطاء إيماليا مشروبات ساخنة وأوراق النبات لتمضغها .

أردت أن أحضر طبيباً بأسرع ما يمكن . فهمنى الرجل . قال : "بوز ، بوز" أخيراً فهمت أنه يقصد الأتوبيس ! من المؤكد أن هناك أتوبيس يأتى من هذا الطريق . وبالفعل لم يمض وقت طويل حتى مر أتوبيس على الطريق . مد الرجل يده فتوقف الأتوبيس . تحدث إلى السائق . ثم التفت إلىّ وقال : " إلى أكومايو ، مضبوط " . صعدت الأتوبيس حيث أجلسني أحدهم . كان الأتوبيس مليئا بالركاب الذاهبين إلى السوق . كان لديهم دجاج وفروج وصناديق ولفائف .

بعد ساعة من الزمن وصلنا إلى أكومايو . لحسن الحظ كان لدى بعض العملات المعدنية البيروفية ووجدت هاتفا عموميا .

عندما فتح خط الاتصال التليفونى صرخت قائلة : " دكتور حافظ ، دكتور حافظ " . كان الخط سيئا جدا . " إننى فى أكومايو . إن إيماليا ... " فجأة انقطع الاتصال . حاولت مرة ثانية . وللمرة الثانية ينقطع الاتصال . حاولت مرة أخرى . حدث نفس الشىء .

قررت أنه يجب علىّ أن أجد طبيبا . رأيت بعض اللافتات مكتوبا على أحدها كلمة أسبانية من المؤكد أن معناها يشبه كلمة طب حسبما اعتقدت . دخلت . كان بالداخل مساعدة شابة . كانت تتحدث قليلا من اللغة الانجليزية . قلت : " إننى فى حاجة إلى طبيب لأمر عاجل . تعرضت صديقتى لحادث اصطدام سيارة . إنها مصابة بشدة " .

طرقت الشابة بابا ودخلنا إلى غرفة أخرى . بدأت تتحدث إلى امرأة تجلس إلى مكتب . هذه المرأة كانت طبيبة وتتحدث الانجليزية . أدركت سريعا أن الأمر عاجل . التقطت معطفها وفى خلال بضع دقائق كنا داخل سيارتها على الطريق إلى القرية .

عندما وصلنا إلى القرية ، دخلنا جميعا إلى المنزل . كانت إيماليا أكثر هدوءا إلا أنها كانت تبدو فى حالة سيئة . طلبت منى الطبيبة أن أخرج . خرجت وجلست على صخرة . دار برأسى العديد من الأفكار . كان كل شىء قد بدأ جيدا جدا والآن قد أخفق كل شىء . بينما كنت أفكر فى هذه الأشياء ، نظرت عيناى إلى أعلى جانب التل . لاحظت شيئا – إنه نمط من تصميمات الصخور بدا وكأنه مألوف لى .

فى تلك اللحظة خرجت الطبيبة .

قالت : " المستشفى الآن ! "

دخلنا السيارة وعدنا إلى أكومايو . دخلت الطبيبة إلى مكتبها . التقطت التليفون وتحدثت على عجل . بعد ذلك قالت شيئا لمساعدتها .

قالت الطبيبة : " طائرة هليكوبتر قادمة لتأخذ صديقتك . إنها فى حاجة إلى دخول مستشفى بسرعة . عربة الاسعاف سوف تستغرق وقتا طويلا للغاية . إنها مسألة حياة أو موت " .

عدنا بالسيارة إلى القرية . سرعان ما سمعنا صوت الطائرة الهليوكبتر . هبطت على الطريق القريب من المنزل . وبسرعة وضع رجلان إيماليا داخل الهليكوبتر ودخلت أنا بجوارها . لوحت بيدى مودعة الرجل والنساء فى القرية . كانت المساحة داخل الطائة الهليكوبتر تسعنا نحن الأربعة بالضبط . أقلعنا ولم يمض وقت طويل حتى كنا فى المستشفى فى كوزكو. لم أكن قد ركبت طائرة هليكوبتر من قبل . لقد كانت عبارة عن آلة صغيرة جدا تطير بقرب شديد من قمم الجبال . إلا أننى فى هذه المرة لم أكن خائفة . لم أفكر سوى فى إيماليا وفى رغبتى الشديدة فى الامساك بمارتن لاندر .

فى اليوم التالى كانت إيماليا فى حالة أفضل قليلا . وصل الدكتور حافظ مع رامون . واخبرنى بما قد حدث .

قال الدكتور حافظ : " كنت أشك فى بابلو . تعرفين أنه ذهب إلى كوينكو ليقابل موظفى اليونسكو . قررت أن أذهب وأجده هناك . وصلت فى الوقت المناسب . كان على وشك المغادرة .

قال لى أنه كان متعبا ويشعر بالاثارة فى ذلك اليوم الذى وجدنا فيه القناع الذهبى وأنه ترك المفتاح فى الكوخ بطريق الخطأ . من المؤكد أن أحدا تسلق من خلال الشباك المفتوح وفتح الخزانة بالمفاتيح . لم أدر هل أصدقه أم لا . قلت له أننى أثق به . أخبرته أن جميع أعمالنا معا تعتمد على مساندة اليونسكو . إذا فقد القناع الذهبى أو سرق فقد يتوقف المشروع .

لم يقل شيئا . وقف هناك أمامى فى صمت . لم أدر ماذا أفعل أو ماذا أقول . وعند ذلك خطرت لى فكرة .

أخبرته أن البوليس قد قبض على مارتن لاندر . كنت أعلم أن ذلك ليس صحيحا . ولكنى أردت أن أرى إن كان بابلو سيقول أى شيء وكيف أنه كان يحصل على القليل من المال . أخبرنى أن لديه طفل مريض وأنه كان يحتاج أن يدفع ثمن الأدوية الباهظ .

لم أعرف ما كان ينوى أن يقول بعد ذلك . لكن عندئذ أخبرنى أنه عمل مع لاندر من قبل . وأنه قد قابل لاندر فى كوينكو . كان ذلك يوم أن رأيت إيماليا تتحدث إلى لاندر فى الميدان . فقد عرض عليه لاندر الكثير من المال مقبل القناع الذهبى .

فى النهاية ، أخبرنى بابلو أنه يجب أن يقابل لاندر الليلة فى الساعة الثامنة هنا فى كوزكو " .

قال رامون : " لكن هذا فى غضون ساعتين من الآن " .

قلت : " فلننصب فخا بأن نترك بابلو يقابل لاندر . وسوف نتبعه ونقبض على لاندر " .

أجاب الدكتور حافظ : " إن هذا يبدوا خطيرا جدا . فلنتصل بالشرطة " .

قلت : " ليس هناك وقت للاتصال بالشرطة . علينا أن نمسك بلاندر . إننى وعدت إيماليا . يجب أن أفعل ذلك من أجلها " .

الفصل العاشر ( أخيرا تم القبض عليه )


بعد مرور ساعة من الزمن كنت أنا والدكتور حافظ ورامون فى سيارة نتعقب سيارة أجرة عبر شوارع كوزكو . ذهبت سيارة الأجرة إلى شارع صغير فى الجزء القديم من المدينة . توقفت سيارة الأجرة . خرج بابلو ودخل أحد المنازل . بعد مرور بضعة دقائق خرج واستدعى سيار أجرة أخرى وذهب .

انتظرنا سويا. بعد ساعة تقريبا فتح باب المنزل وخرج مارتن لاندر . ركب شاحنة نقل صغيرة كانت واقفة بالقرب منه وانطلق . تعقبناه .

قال الدكتور حافظ بعد بضع دقائق : " إننى لأتساءل أين هو ذاهب ؟ "

أجاب رامون : " أعتقد أنه ذاهب إلى المطار . لكن ليس إلى المدخل الرئيسى " .

تعقبنا شاحنة لاندر إلى الجانب البعيد من المطار . كان كل شىء مظلما . أطفأ رامون الأنوار الأمامية للسيارة . فقد كان من السهل جدا على لاندر أن يعرف أن أحدا يتعقبه . أوقف لاندر شاحنته وخرج ثم فتح بوابتين معدنيتين باستخدام مفتاح .

صرح رامون : " يجب أن نوقفه الآن . قبل أن يعود إلى شاحنته ويغلق البوابات مرة أخرى " .

أوقف رامون سيارتنا على بعد خمسين مترا . فتحنا الأبواب وجرينا فى الظلام فى اتجاه لاندر . كان لاندر رجلا ضخما قويا ومن عادته أن يقاوم . لم أدر ما إذا كان فى استطاعتنا أن نوقفه . لكن كان فى صالحنا ميزة المفاجأة . تمنيت فقط ألا يكون لديه مسدس . عند ذلك خطرت لى فكرة . كان محرك شاحنة لاندر يدور . وكان الباب مفتوحا . قفزت داخل الشاحنة وأغلقت الباب ثم ضغطت على زر القفل الأوتوماتيكى . جعلت الشاحنة فى وضع السرعة الأولى وانطلقت بقوة فى اتجاه لاندر . حاول الوصول إلى شىء داخل جيبه – ربما مسدس ، إلا أن الشاحن كانت تقترب أكثر . التفت لاندر وجرى . تعقبه رامون . دار لاندر حول منعطف تعقبته بالشاحنة حيث كانت الأنوار الأمامية تظهر مكان وجوده . كان هناك أمامنا طائرة صغيرة ذات محرك واحد . فى لحظة واحدة كان لاندر قد فتح باب الطائرة وأدار المفتاح ليبدأ تشغيل المحرك . حاول رامون أن يقفز على جناح الطائرة ويفتح الباب لكن المحرك بدأ يدور وشرعت الطائرة فى التحرك . لم أدر ماذا أفعل . لم يكن لدى سوى ثانية واحدة لأقرر . وضعت قدمى على دواسة البنزين وانطلقت بأقصى ما يمكن نحو الطائرة . حدث اصطدام به . صدمت الشاحنة جانب الطائرة وأوقعتها على جنبها . قمت بتشغيل الفرامل . وضعت ذراعىّ ورأسى على عجلة القيادة . كنت أرتعش .

" من المؤكد أنه اصطدم برأسه فى سقف الطائرة . لقد فقد الوعى " كان هذا صوت رامون .

كان رامون على جانب الطائرة الذى كان حينئذ متجها إلى أعلى فى الهواء . قال " سأحاول أن أدخل " . لكنه لم يستطيع أن يفتح الباب .

خرجت من الشاحنة . لم أكد أستطيع أن أمشى .

قال الدكتور حافظ : " ليلى ، إنك رائعة – مدهشة ! لا تقلقى الآن . لقد اتصلت بالشرطة " .

وعندئذ سمعت صفارات إنذار سيارت الشرطة ورأيت أنوارهم الزرقاء المتقطعة .

قال الدكتور حافظ : " أعتقد أن هذه هى نهاية عمل السيد لاندر فى مجال الآثار " .

رجعنا إلى قسم الشرطة . هذه المرة لم أجد بأسا فى الذهاب . أخبرنا الشرطة بما حدث بالضبط .

قال رئيس الشرطة : " سوف نستجوب السيد لاندر أولا . وسوف نعرفكم ما نكشف " قرر الدكتور حافظ أننا يجب أن نذهب إلى كوينكو لنستريح لبضعة أيام قبل البدء فى العمل مرة أخرى . لكنى أردت أن أرى إيمالياأولا . ذهبنا إلى المستشفى فى كوزكو . كانت لا تزال فى الفراش ولكن كانت تبدو أحسن حالا .

أبلغناها بالأخبار . حاولت أن تبتسم . لم يكن ذلك من السهل عليها .

بعد مرور يومين أقلنا رامون فى السيارة إلى كوينكو . تلقى الدكتور حافظ فى اليوم التالى مكالمة تليفونية من رئيس الشرطة حيث قال : " لقد وجدنا القناع الذهبى والأشياء الأخرى التى سرقها السيد لاندر من قبل " .

قال الدكتور حافظ : " شكرا لله . الآن يمكن أن يستمر المشروع "

ذات صباح كنت لأتناول طعام الافطار فى كوينكو مع الدكتور حافظ . فجأة خطرت لى فكرة .

بدأت بقولى : " دكتور حافظ . أود أن أعود القرية الموجودة على الطريق إلى أكومايو . أود أن أشكر أهل القرية الذين أنقذوا إيماليا " .

رد الدكتور قائلا : " هذه فكرة طيبة يا ليلى . سوف أطلب من رامون أن يأخذنا . أتمنى أن يكون الجو أفضل ما كان عليه عندما ذهبت مع إيماليا " .

بدأنا الرحلة . فى هذه المرة كان الجو مثاليا . كانت الشمس مشرقة واستطعت أن أرى الجبال والأودية شديدة الانحدار .

وصلنا إلى القرية . صافحنا الرجل والنساء الذين ساعدونا من قبل . كان رامون يترجم لنا . عندئذ تذكرت شيئا رأيته من قبل عندما مشيت على الطريق .

قلت : " دكتور حافظ . أريد أن أريك شيئا . فلنمش على الطريق قليلا ".

قال : " إنك لن ترينى شخصين غريبين يجلسان فى مقهى ، أليس كذلك ؟ " .

ضحكت . واصلنا المشى لمسافة أبعد قليلا . نظرت إلى أعلى نحو جانب الجبل . قلت : " انظر هناك إلى أعلى يا دكتور " .

نظر إلى أعلى . قال : " يا إلهى . إنها تشبه نمط تصميم قوالب الكتل الحجرية الموجودة بمقبرة ملك تشيمو . إن هذا لشىء مدهش ".

عدنا إلى كوينكو . فى اليوم التالى بدأنا العمل مرة أخرى . الآن لم يبق لى سوى أسبوع واحد آخر قبل عودتى إلى القاهرة .

كان الدكتور حافظ مشغولا جدا . لم أتحدث معه لبضعة أيام أخيرا جاء لرؤيتى .

قال : " ليلى ، لقد أرسلت فريقا إلى القرية من أكومايو وهم يعتقدون فعلا أنه موقع خاص بالإنكا . إن العاملين معنا لا يستطيعون العمل فى ذلك الموقع . إن لدينا الكثير من العمل هنا . لكن عند خروج إيماليا من المستشفى أريدها أن تقود الفريق الذى يقوم بالتنقيب عن الحفريات فى الموقع الجديد "

قلت : " هذا خبر عظيم ! سوف تكون مسرورة للغاية ."

* * *

أثناء رحلتى بالطائرة إلى نيويورك لم يكن هناك أحد يجلس بجوارى . ولم أختر مقعدا بجوار الشباك . لكن كان عندى العديد من الذكريات واشياء كثيرة جدا أفكر فيها لدرجة أن الوقت مر بسرعة . سرعان ما كنت على متن طائرة متجهة إلى القاهرة . كنت أتطلع لرؤية سميرة وعائلتى . عندما اقتربنا من الهبوط ، رأيت الصورة الظلية المألوفة للقاهرة – الأهرامات والنيل .

هبطت الطائرة وفتحت الأبواب . شعرت بالحرارة فى الحال . أدركت أننى كنت قد اعتدت درجات الحرارة الباردة فى جبال الأنديز . لكنى شعرت بإثارة شديدة لعودتى إلى وطنى .

بعد أن أخذت أمتعتى دخلت إلى صالة الوصول . كانت هناك سميرة ووالدى ، وحولهم من كل جانب مصورون . كان هناك وميض من الأنوار وأناس ينادون " آنسة القصبى ! " . " من فضلك ! يا آنسة القصبى " . لم أكن أصدق ذلك .

فى اليوم التالى كانت العناوين الرئيسية للصحف حافلة بقصة عالمة الآثار المصرية التى قامت باكتشافات هامة فى أرض الإنكا . وعالمة الآثار هذه قبضت على لص كان قد سرق مصنوعات أثرية ثمينة ! وقد اكتشفت موقعا جديدا خاصا بالإنكا . قرأت جميع الصحف وكأننى فى حلم .

كانوا يتحدثون عنى !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق